www.sadana.yoo7.com * صدى الفكر * www.sada.tk


و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة -

شاطر
avatar
صدى الفكر
Admin
Admin

السمك الثعبان
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة -

مُساهمة من طرف صدى الفكر في الإثنين يوليو 18, 2011 1:34 pm

السلام عليكم ورحمة و رحمة الله وبركاته




وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
لماذا تكثر في هذا الزمن قطيعة الأرحام والهجران والخصام؟؟ لماذا تكثر المشاكل بين الأقارب؟؟ تبدأ كالذرة وما تلبث أن تكون ذروة، وربما كانت مشاكل تافهة حقيرة ليس لها في ميزان العقل ثقل؛ ولا في ميزان الشرع نظر... والله المستعان.

لقد تراجعت العلاقات الأسرية في عصرنا الحاضر وغدت هناك فجوات بين الأرحام سببها الرئيسي التعلق بأذيال الدنيا دون وعي واللهث وراء المادة مما أغرق الأهل وأبعدهم عن الاستمتاع بقربهم من أقاربهم؛ فقديما لم تكن الحياة بسيطة لكن الاستقرار النفسي كان متواجدا وبقوة، أما الآن فنجد أن كل شيء تغير حتى فحوى المحبة والود، بل وجعلت المادة هي المعوّل عليها في العلاقات بشكل عام، كما نلحظ انتشار الأنانية والكبر والحسد والبغضاء بين الإخوة والأخوات والأعمام والأخوال وسائر أفراد المجتمع إلا من رحم الله، وكذا كثرت النزاعات والخصومات بين الأهل والأقارب، وذلك لأتفه الأسباب حتى أبدى بعضهم لبعض الشر والعداء، وما سبب ذلك إلا بُعْد الناس عن شرع ربهم عز وجل..... فهل لنا من وقفة نتذاكر فيها فضل صلة الأرحام والواجب علينا اتجاه أرحامنا فنؤدي حقوقهم.
فضل صلة الرحم:
إنَّ صلةَ الرحم حقٌّ طوَّقَه اللهُ الأعناقَ، ووَاجِبٌ أثقَلَ الكواهلَ. وقَد أكَّد الله على صِلة الأرحام وأمَر بها في مواضعَ كثيرة من كتابِهِ، قال تعالى: (وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) الإسراء: ٢٦ وجَعَلَ صِلةَ الرحم بعد التّقوى من الله تعالى فقال عزوجلَّ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء: ١، ولعِظَمِ صِلةِ الرّحِم ولكونها من أسُسِ الأخلاقِ ورَكائز الفضائِلِ وأبوابِ الخيرات فرَضَها الله في كلِّ دِينٍ أنزله،قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) البقرة: ٨٣
وفي حديثِ عبدِ الله بنِ سلامٍ رضي الله عَنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال عند أوَّلَ مَقامٍ بالمدينةِ: ((أيّها الناسُ، أفشُوا السلامَ وأطعِموا الطَّعام وصِلوا الأرحامَ وصَلّوا باللَّيل والناس نِيام تدخلُوا الجنة بسلامٍ)) رواه البخاريّ.
إنّ صلة الرحم سبب في دخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى عن المؤمنين: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد: ٢١ - ٢٢
وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بما يدخلني الجنة ويباعد ني عن النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل رحمك))، فلما أدبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيقل خيراً أو ليصمت)) متفق عليه.
وصلة الرحم سبب لكثرة الرزق وطول العمر وحصول البركة لصاحبه بعمل الصالحات فيه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن سرَّه أن يُبسَطَ لَه في رِزقِه وأَن يُنسَأَ له في أثَرِه فَليَصِل رحمه)) رواه البخاري ومسلم، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((مَن سرَّه أن يُمَدّ له في عُمُره ويوسَّع لَه في رزقِه ويُدفع عنه ميتةُ السّوء فليتَّق اللهَ وليصِل رَحمَه)) رواه الحاكم والبزّار، وعن ابنِ عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ اللهَ لَيعمِّر بالقومِ الدِّيارَ، ويثمِّر لهم الأموال، وما نظر إليهم مُنذُ خلَقَهم بُغضًا لهم))، قيلَ: كيف ذاك يا رسول الله؟! قال: ((بِصِلَتهم أَرحامَهم)) رواه الحاكم والطبرانيّ. وعن أبي بكرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((إنّ أعجلَ البرّ ثوابًا لصِلةُ الرحم، حتى إنَّ أهلَ البيت ليكونون فَجَرة، فتنمُو أموالهم ويكثُر عَدَدُهم إذا تواصَلوا)) رواه الطبرانيّ وابن حبّان.
ومن بركة صلة الرحم وفضلها أن أجر الصدقة على المحتاج من ذي القرابة والرحم مضاعفة على أجر الصدقة على المحتاجين من غيرهم، فهي للرحم المحتاج صدقة وصلة، ويشهد لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وحديقة، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) آل عمران: ٩٢، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: (لَن تَنَالُوا البِرَ حتَى تُنفِقُوا مِمَا تُحِبُون) وإن أحب مالي إلي (بيرحاء) وإنها صدقه لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وإني سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)).
فإذا كان لصلة الرحم كل هذا الأجر في الدنيا وفي الآخرة، فلا ريب أنّ لقاطع الرحم عقوبة تعدل في شدتها شدة منكره، وذلك لما يترتب على قطع الرحم من تقطيع لأواصر المجتمع المسلم وتفكيك لعراه. لذا فقد جاء التهديد والوعيد والعقوبة الشديدة لمن قطع رحمه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذه العقوبة منها ما هو معجل في الدنيا فعَن أبي بكرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن ذَنبٍ أَجدر أن يعجِّل الله لصاحبه العقوبةَ في الدنيا مع مَا يدَّخر له في الآخرةِ منَ البغيِ وقطيعة الرَّحِم)) رواه ابن ماجه والترمذيّ والحاكم. وتتمثل هذه العقوبة العاجلة في عدم قبول الأعمال الصالحة، إذ ترد على صاحبها، وهي خسارة فادحة للمسلم. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّ أعمالَ بَني آدمَ تُعرَض كلَّ خميسٍ ليلةَ الجمعة، فلا يقبَل عملُ قاطع رحِم))، فأليس من المخيف ألاّ تصعد الأعمال إلى الله تعالى، أليس ذلك دليلاً على هوان العبد على ربه حتى لم يوفقه إلى أن ينقي قلبه من الغلّ والحسد والتقاطع والتدابر؟!
وتعظم الخسارة لمن أصرّ على قطع رحمه بطرده من رحمة الله حيث يدخل تحت لعنة الله والعياذ بالله، ولا خير في عمل وكسب بدون رحمة الله تعالى وبركته، كما في الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال فذلك لك))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم: (.فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد: ٢٢ - ٢٣
ثم تكون العقوبة الأخروية وإنّها لأعظم عقوبة يعاقب بها إنسان قط، وهي الحرمان من الجنة. فقد ورد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يدخل الجنة قاطع)). [قال سفيان: يعني قاطع رحم] رواه البخاري ومسلم.
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن عز وجل، فمن قطعها حرّم الله عليه الجنة)) رواه أبو داود وأحمد، وعن أبي موسَى رضي الله عنه أنّ النبيَّ قال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمنُ الخمر وقاطع الرَّحم ومصدِّقٌ بالسِّحر)) رواه أحمد وابن حبان.
والمسلم عندما يصل أرحامه يقوم بأمر أوجبه الله تعالى عليه، يطلب به الأجر والمثوبة من ربه لا من أرحامه. لذلك فالصلة الحقيقية هي التي تبتدئ بالإحسان دون انتظار مكافئ من القول أو الفعل صادر من ذوي القربى، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه البخاري: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)). وأعظم منها الصلة التي تستمر على الرغم من إساءة ذوي القربى ومقابلة إساءتهم بالإحسان، ولا شك أن ذلك شديد على النفس ولا يقدر عليه إلاّ من وفقه الله، ولا ريب أن مثل هذا الواصل يستحق من الله تعالى كل عون ونصر وتأييد. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت كما قلت فكأنما تسُفُّهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) رواه مسلم. ومعنى: ((تسفهم المل)) أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم. ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم الفظيع في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه.
من هم الأرحام الذين يجب علينا صلتهم؟
فمعرفتهم أمرٌ لابدّ منه لصلتهم، فعن أبي هريرةِ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تعلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلون به أَرحامَكم، فإنّ صلَةَ الرَّحم محبَّةٌ في الأهل مَثرَاة في المال منسأَة في الأثر)) رواه الترمذي، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (تعلموا أنسابكم ثمّ صلوا أرحامكم) رواه البخاري في الأدب المفرد، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا بعد بالرحم إذا قربت وإن كانت بعيدة ولا قرب بها إذا بعدت وإن كانت قريبة، وكل رحم أتيه يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها وعليه بقطيعة إن كان قطعها) رواه البخاري في الأدب المفرد.
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: "...وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم مَحْرَم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث مِحْرماً كان أم غير مَحْرم، فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم يجب صلته في كل حال قربة ودينية"
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري: "يطلق على الأقارب وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواء كان يرثه من أم لا. سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل هم المحارم فقط، والأول هو المرجح، لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام، وليس كذلك".
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في إحدى خطبه القيمة: "الأرحام والأنساب هم أقارب الإنسان نفسه كأمه وأبيه وابنه وابنته وكل من كان بينه وبينهم صلة من قِبل أبيه أو من قِبل أمه أو من قِبل ابنه أو من قِبل ابنته".
كيف تكون صلة الرحم؟؟
صِلةُ الرَّحِم هِي بذلُ الخيرِ لذوي الأرحام وكَفُّ الشرِّ عنهم، عِيادةُ مَريضِهم ومُواساةُ فقيرِهم ونفعُه وإرشادُ ضالّهم وتَعلِيمُ جاهِلهم ودَوامُ زيارتهم والفرحُ بنِعمَتِهم والتهنِئَةُ بسرورِهم والحزنُ لمصيبَتِهم وتفقُّدُ أحوالهم وحِفظُهم في غَيبَتهم وتَوقيرُ كبيرِهم ورَحمةُ صغيرِهم والصبرُ على أذاهم والنصحُ لهم وحُسنُ صُحبَتِهم، وتكون كذلك بالتناسي عن الزلات والصفح عن الخطيئات والإنفاق عليهم بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وتحمل قطيعتهم.
وقد يسأل سائل فيقول كيف نستطيع أن نصل أرحامنا وهم كثر وفي أماكن متفرقة، ونحن في زمن تزاحمت فيه الأعمال والحقوق والواجبات، ففي هذه الحالة يبدأ المسلم بالأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، ويمكن الجمع بينهم بحسب الحال، فمنهم من يمكن زيارته لقربه منه، ومنهم من يوصل بالمراسلة بالبريد، ومنهم من يتصل به بالهاتف، ومنهم من يهدى إليه بعض الهدايا، ومنهم من يسافر إليه وذلك باستغلال أيام العطل في صلة الأرحام وزيارتهم، وتكون صلتهم بوسائل كثيرة وطرق عديدة منها السلام والتحية والمعاونة والمجالسة والمكالمة وبالتلطف والإحسان إليهم. فإن كان القريب غائباً يصلهم بالمكتوب، فإن قدر على المسير كان أفضل، ومن يتحرّ الخير يعطه، وكما قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: ١٦، فإذا بذل الإنسان جهده في صلة رحمه وفقه الله تعالى لذلك ويسر أمره وأعانه.
قال القرطبي رحمه الله: "وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنَّصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم، وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب.."
وذلك يكون إذا كانوا أهل استقامة، أما إذا كانوا فجاراً فعلى الواصل بذل الجهد في وعظهم ثم مقاطعتهم مع الإعلام أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب إلى أن يعودوا إلى الطريقة المثلى.
من أسباب قطيعة الرحم:
_إنّ الشيطان أعظم ما يكون حرصاً على التفرقة بين الأخ وأخيه والزوج وزوجه والرجل وأبناء عمه! فإخوة يوسف عليه السلام رأوا فيه ما لم ير بقية الناس من جمال وحب أبيه له ولأخيه من بين سائر إخوته فحسدوه .. وكان للشيطان أعظم دور في النزغ بينهم؛ ففرقوا بينه وبين أبيه أربعين سنة كما قال بعض أهل التفسير.
_من تلك الأسباب قضية الميراث، الذي تأججت الخصومات بسببه وقامت المعارك لأجله، إنه الحاضر الغائب، الحاضر في كتب الفقه والتفسير والمجامع الفقهية، الغائب في واقع المسلمين!! فريق يتنكر له بدعوى العصبية، وفريق يجرمه بدعوى العيب، وفريق يتأفف بدعوى أن أمواله ستنتقل إلى الغريب، وفريق يبخس الحق فلا يدفع إلا أقل القليل أو يأخذه ممن هم أحق به لاستحيائهم المطالبة به رغم حاجتهم لذلك الميراث، وفريق يعطي مبغضا من يعطيه حتى ليتمنى زواله... وفئة قليلة هي من تتقي الله وتعطى الحق بلسان بشوش ونفس راضية وقلب مطمئن.
_كذلك قد تَكون المرأة من أسبابِ قطيعة الرحم، بِنَقلِها الكلامَ وبثِّها المساوِئ ودفنِها المحاسن وتحريشها للرجال، فكثيراً ما تقع مشكلاتٌ لا تعدو أن تكون من باب قوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة) يوسف: ٣٠... كلامٌ على قهوة الصباح أو في جلسة المساء، وقد تَرى هاته المرأة لحماقَتِها أنَّ لها في ذلكَ مَصلَحةً لكي تعلوَ مكانتها بين أهلها، وقد تدفع أولادَها في الإساءةِ لذوي القربى، فعليها يكونُ الوزرُ، والله لها بالمرصاد. وقد تكونُ المرأةُ مِن أسبابِ التواصل بين الأرحام وتَوطيدِ المودّة بَينَهم؛ بصبرها وتحمُّلها ونصيحَتِها لزوجها وأولادها وحثِّها على الخير، والله عز وجل سيثيبها، ويصلِح حالها وحالَ أولادها، ويحسِن عاقبَتَها.
_ولعل الذي يذكي النار ويزيدها اشتعالاً أن كلاً يكتم في نفسه ما يضمره للآخر حتى تصير الحبة قبة؛ فلا يواجهه ولا يعاتبه أو يستوضح منه الأمر ويزيل اللبس أو الشبهة، وإنما يكتفي بأن ينام وفي قلبه أمثال البراكين الثائرة من الغيظ والحنق على قريبه... ففي مراسيل الحسَن رحمه الله قوله: ((إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم الله عز وجل عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم)) الجواب الكافي لابن القيم.
وأخيرا، فإنَّ القطيعةَ المشؤومةَ قَد تَستَحكِم وينفُخُ الشيطان في نارِها، فيتوارَثُها الأولادِ عن الآباء، وتقع الهلَكَة وتتَّسع دائرة الشَّرّ، ويكون البغي والعدوان، وقد تدوم هذه القطيعةُ بَين ذوي الرَّحِم حتى يفرِّق بينهم الموتُ على تلك الحالِ فلا لِقاءَ إلاَّ بعد البَعثِ والنشور وعند ذلِك يحْضُر الندم وتثورُ الأحزان يوم لا ينفعُ النّدمُ، ولا يداوي الأسَف جِراحاتِ القلوبِ، فيجثُو كلٌّ أمامَ الله الحَكَم العَدل ِليقضي بينهم بحكمه وهو العَزيزُ العليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 5:28 pm