www.sadana.yoo7.com * صدى الفكر * www.sada.tk


إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ - أبو الفضل الجزائري

شاطر
avatar
صدى الفكر
Admin
Admin

السمك الثعبان
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ - أبو الفضل الجزائري

مُساهمة من طرف صدى الفكر في الإثنين يوليو 18, 2011 1:31 pm

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في إلهيته، ولا في أسمائه وصفاته , تعالى عن مماثلة المخلوقات والمُحْدَثَات، وتقدس عن النقائص والعيوب.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله على حين فترة من الرسل، ففتح به أعيناً عمياً, وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمـة وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتم الله به الدين وأكمل به النعمة:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً}, فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حملوا راية الهداية وأناروا بها الطريق للسالكين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
فإن الخُلْف واقع بين الناس كما قال تعالى:" وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ " وهذا كائن لا محالة في أديانهم واعتقاداتهم , و مللهم ونحلهم , ومذاهبهم وآرائهم , ولكن الله استثنى منهم أهل رحمته فقال تقدس في عالي سماه:" إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ", قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى:"أهلُ رحمة الله أهل الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم."
وهؤلاء هم أهل السنة العاملين بها الداعين لها فميزتهم الجماعة ونبذ الافتراق ,خلافا لأهل العصيان من أهل البدع وغيرهم , فالفُرْقَة علامتهم , لا تزال مقارنة لهم جزاءً وفاقا لمـّا أعرضوا عن الهدى ودين الحق "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا" فلا انشراح لصدورهم، بل هي ضيقة حَرِجة لضلالها,فهم في قلق وحيرة وشك واختلاف، فلا يزالون"فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ" كما قال فيهم إمام السنة وأهل السنة الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى:"فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب."[انظر لهذا كله تفسيرَ ابن كثير].
ولما كان الخلاف والتنازع جاريا بين بني آدم , بل حتى بين عباد الله المؤمنين والمشايخ الناصحين وبين الإخوان المتآلفين, وكان هذا الأخير من شيم أهل الجور و العصيان ,أمرنا الله على تلافـي هذا الشر وملء هذا النقص بالصلح في غير ما موضع من كتابه الكريم ,فقال تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"(الحجرات:10).


قال الآلوسي في روح المعاني(26/151)_الطبعة المنيرية_:
" وإطلاق الأخوة على المؤمنين من باب التشبيه البليغ وشُبهوا بالأخوة من حيث انتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ،والفاء في قوله تعالى : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح .
وقوله{ فَأَصْلِحُواْ } أي واصلوا بين أخويكم بالصلح واحذروا الله تعالى من أن تتهاونوا فيه ." اهـ بتصرف يسير.


وقال العلامة المفسر عبد الرحمن بن سعدي:
"هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم.
ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل التآلف والتوادد،والتواصل بينهم."اهـ


وهذه الأخوة التي أثبتها الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة للمؤمنين بعضهم لبعض هي أخوة الدين لا النسب.[انظر أضواء البيان(7/471)].
وحيث حرص الإسلام على وحدة المسلمين وأكد على أخوتهم وأمر بكل ما فيه تأليف لقلوبهم ونهى عن كل أسباب العداوة والبغضاء, فقد حض و دعا إلى الإصلاح بين المتخاصمين وجعله أشرف ما صرفت فيه الأوقات وبذلت فيه الأموال وتعبت في تحقيقه الأنفس لما في ذلك من اجتماع الكلمة ووحدة الصف وزوال التخاصم والتنازع.
قال تعالى:"وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ".(الأنفال: 1).


قال العلامة السعدي في تفسيره (315):
"أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل..فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع - من التخاصم، والتشاجر والتنازع.
ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر.
والأمر الجامع لذلك كله قوله: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله."اهـ


لذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته السعي في الإصلاح بين الناس, حيث كان يعرض الصلح على المتخاصمين كما روى مسلم وغيره.
وقد باشر الصلح بنفسه كما روى البخاري في صحيحه (2547) عن سهل بن سعد رضي الله عنه:أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك فقال :" اذهبوا بنا نصلح بينهم".


قال العلامة عبد المحسن العباد في "شرح سنن أبي داود" في معرض بيان فوائد الحديث (مفرغا):
"واشتمل حديث سهل بن سعد رضي الله عنه على عدة أحكام وعلى عدة فوائد.
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن بني عمرو بن عوف حصل بينهم خلاف وحصل بينهم تضارب واقتتال ذهب ليصلح بينهم، وهذا يدلنا على أهمية الصلح بين المسلمين، وذلك في العمل على ما يزيل الخلاف، ويحصل معه الوئام."اهـ


بل لأهمية هذا الأصل كان الصحابة إخوة متحابين , على الرغم مما حصل بينهم _ مما يُعلم _ لأنهم علموا أن الله أمرهم أن يصلحوا ذات بينهم.


وفيهم قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله كما في المجموع (3 /285):
" فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض , إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.
ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض."اهـ


وكذا علموا _ رضي الله عنهم _ أن أفضل الأعمال والمكارم, إصلاح ذات البين, وأن من حسن الخلق مع الناس , الإعراض عن ظلمهم وتعديهم _ إن حصل _.


إِنَّ الْمَكَارِمَ كُلهَا لَوْ حُصِّلَتْ ** رَجَّعْتُ جُمْلتِهَا إِلَى شَيْئَيْنِ
تَعَظِيْمُ أَمْرِ اللهِ جَلَّ جَلالَهُ **وَالسَّعِي فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ


عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده فقلت : يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال:" يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك."صحيح لغيره.
قاله الشيخ الألباني في الترغيب والترهيب (2536).


قال شيخ الإسلام رحمه الله في "الزهد والورع" (90):
"و جماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض."اهـ


وكذا علموا أن الله جل في علاه وتقدس في سماه حثهم على العفو والصفح عمن ظلمهم, لكونه من صفات أهل الجنة, وِلماَ في ذلك من المصالح العظيمة.
قال تعالى: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (النور:22).


قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (5/487):
"فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا .
وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته.
والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم، والصفح: قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق، أي: أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها.
وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران:133/134).
وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على ذلك.
ودلت أيضا: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به."اهـ كلامه


هذا وإن من صفات الكمال وبدائع الأعمال و والله إن أهلها لمن خواص الإخوان وفرائد الرجال, أن يعفو المرء عن أخيه إذا ظلمه مع تجدد الود بينهما _ إن عُدِم _ , فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه, وكذلك قد يرحم من لا يحب.
[أنظر التبيان في أقسام القرآن لابن القيم:(93)].
وهذا إنما يكون من الجانبين , لأن هذه دلالة لفظ الوداد والموادّة والتوادّ.


قال شيخ الإسلام في كتابه النبوات (78):
" ولفظ الوِداد باتق اللهر هو مثل: المـوادّة والتواد, وذاك يكون من الطرفين كالتحابّ. "اهـ كلامه


وستبدي الأيام صدق دعاوى أهلها فإن الدعاوى تحتاج إلى بينات , وهيهات التصنع والتكلف في هذا الباب !!.


و الدعاوى إذا لم تقيموا** عليها بينات أهلها أدعياء


ومهما يبدي الإنسان من سريرة فسيظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه وعلى أفعاله.


و مهما تكن عند امرئ من خليقة **وإن خالها تخفى على الناس تعلم


فإن الذي في قلبه من صاحبه شيء بعد دعواه الصلح , زعم أنه سيكتمها عنه فلن يصلح الله سعيه ويحقق له مراده , ومن أخفى عداوته لن تخفى أُلفَتُهُ.


من كان في لقيـاه لا يتودد**فـأنا الذي في ودّه أتردد


فالقلب عما قد أجنّ ضميره**لصديقه عند التلاقي يرشد


وإذا خفا حالٌ وأشكل أمره**فالعين تخبر ما بالخفي وترشد
و قال آخر:
ويُظهرُ وُدًُّا تشهد العين زوره**ويقضي بذاك القلب والقلب أخبر


ألا وإن سبب هذا هو الإفراط في البغضاء , وهذا لا يحسن بل المأمور به شرعا الاعتدال فيها وفي الحب أيضا ,وخير الأمور أوسطها.
ولهذا جاء في الأثر الذي حسنة علامة الدنيا الشيخ الألباني موقوفا عن محمد بن عبيد الكندي عن أبيه قال سمعت عليا يقول لابن الكواء:" هل تدري ما قال الأول؟ "أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما."
وكذا صححه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وانظر الأدب المفرد (1321) وصحيح الجامع برقم:(178),ولله الحمد والمنة.
وانظر ما نقله العوايشة!! في شرحه على صحيح الأدب المفرد وهذا الأخير قد طبع في 3 مجلدات كبار, وقد نزل مؤخرا شرح طيب لهذا الحديث للشيخ عبد الوهاب الوصابي العبدلي _حفظه الله_ فليراجع.
و روى البخاري في الأدب المفرد برقم(1322) بإسناده إلى أسلم، عن عمر بن الخطاب قال: "لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً". فقلت: كيف ذاك؟ قال:"إذا أحببت كلفت كلف الصبي، وإذا أبغضت أحببت لصاحبه التلف". و الأثر صححه العلامة الألباني.
فاللهَ نسألُ أن يرزقنا الإنصاف,كما نسأله العافية والسلامة وأن يجنبنا الخطل والزلل في القول والعمل.
وعلى من قَصُرَ فهمه عن مثل هذه المعاني , فليراجع شرح الطحاوية (94) ومدارج السالكين (3/28) وروضة المحبين (22) والجواب الكافي (246) والروضة الندية للشيخ زيد (94) , فإن فيها البيانات الصريحة لأهل العقول الرجيحة.
والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه , وهو المستعان وعليه التكلان في كل الأحيان.


ولما كان الإصلاح ونبذ الفرقة والتنازع والصفح عن ظلم الناس طريقة المرسلين وسيرة الصحابة والسابقين , صار لا يقوم به اليوم إلا أولئك الذين أطاعوا ربهم وشرفت نفوسهم وصفت أرواحهم لأنهم علموا أن الدين الإسلامي الحنيف أوجب على العقلاء من الناس أن يتوسطوا بين المتخاصمين ويقوموا بإصلاح ذات بينهم ويلزموا المعتدي أن يقف عند حده درءًا للمفاسد المترتبة على الخلاف والنزاع ومنعًا للفوضى والخصام , وكذا علموا أنه أمَرَهُم بالسعي الجاد لتحقيق هذا الأصل وحَثهم عليه وجعل درجات أهله القائمين به أفضل من درجات أهل الصيام والصدقة والصلاة , والوسائل لها أحكام المقاصد كما يُعلم من قواعد الشرع.
لهذا روى البخاري في الأدب المفرد (319)وأبو داود في سننه (4919) وابن حبان في صحيحه. والترمذي(2509)وقال: حديث صحيح, عن أبي الدرداء عويمر _ رضي الله عنه _, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة , قالوا: بلى ,قال: إصلاح ذات البين."
والحديث صححه العلامة الألباني رحمة الله عليه.


قال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود (13/261)_المكتبة السلفية_:
"وفي الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين والاجتناب عن الإفساد فيها ، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين ، وفساد ذات البين ثلمة في الدين فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه ."اهـ


هذا لأن العبادات المتعدية النفع أفضل مما كان نفعها قاصرا _خاصة إن حصل بها تأليف أو ما شابه_.


يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في شرح منظومته الفقهية ص:(34) _دار ابن حزم_:
"ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطن له, وهو أنه قد يعرض للعمل المفضول من العوارض,ما يكون به أفضل من الفاضل بسبب اقتران ما يوجب التفضيل.
ومن الأسباب الموجبة للتفضيل :أن يكون العمل المفضول مشتملا على مصلحة لا تكون في الفاضل, كحصول تأليف به,أو نفع متعدٍ لا يحصل بالفاضل."اهـ


وقال الشيخ السعدي في تفسيره:
"و الساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله.
كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } ."اهـ


وكذا جعل الشارع الصلح بين المسلمين من الصدقات التي يتصدق المسلم بها على نفسه وذلك كل يوم, فقد روى البخاري (3707) ومسلم (1009) وأحمد (8154) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة".


وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضا:"أفضل الصدقة إصلاح ذات البين".
وانظر تخريج الحديث مفصلا لمحدث الدنيا العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (6/289) برقم:(2639), وقارن بما قاله ماهر الفحل في تحقيقه لكتاب جامع العلوم والحكم "الحديث السادس والعشرون" ! !.


قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين (293) _دار الإمام مالك_:
"قوله : (تعدل بين الاثنين صدقة):أي يصلح بينهما بالعدل."اهـ


وهذا العدل يكون بموافقة الشرع لا بموافقة هوى النفس والشيطان.


قال العلامة بن عثيمين في شرح رياض الصالحين:
" وكل ما وافق الشرع فهو عدل. "اهـ


والذي يعلمه كل عاقل أن العدل يدعو إلى الألفة والمحبة, وذلك بسبب رضى كل طرف بما حده له الشارع.


قال الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان في كتابه الغزير الفوائد الكثير العوائد "موارد الظمآن لدروس الزمان" (3/552):
"والعدل يدعو إِلَى الألفة والمحبة , ويبعث على الطاعة.


عَلـيْكَ بِالْعَدْلِ إِنْ وُلِّيتَ مَمْلَكَةً ** وَاحْذَرْ مِنْ الْجورِ فِيْهَا غَايَةَ الْحَذَرِ
فَالْمـَالُكْ يَبْقَى على عَدْلٍ الْكَفُورِ **وَلاَ يَبْقَى مَعْ الْجَوْرِ فِي بَدْوِ وَلاَ حَضَرِ."اهـ


وترغيبا فيه جعله سببا للنجاة من النار , لِمَا روى مسلم (2396) وغيره , عن عدي بن حاتم قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار فأعرض وأشاح ثم قال :" اتقوا النار ", ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها ثم قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة ".


قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(11/405):
" وقال بن هبيرة: المراد بالكلمة الطيبة هنا: ما يدل على هُدَى أو يَرُدُّ عن رَدَى أو يصلح بين اثنين أو يفصل بين متنازعين أو يحل مشكلا أو يكشف غامضا أو يدفع ثائرا أو يسكن غضبا والله سبحانه وتعالى أعلم."اهـ


ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص, فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى به ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم،وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده الأعلى من الصلح أم لا, لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل ,وبحسب الإنسان أنه حرص عليه واستعان الله لتحقيقه , وبذل ما يستطيعه من الأسباب القدرية والشرعية لإحقاقه.


قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى(39/16):
"الإنسان بين أمرين: أَمْرٌ أُمِرَ بفعله فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز وأمر أصيب به من غير فعله فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه.
ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره: الأمر أمران:
_ أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه.
_ وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه, وهذا في جميع الأمور."اهـ


ولما كان الشارع حاضا على هذا الأصل العظيم _ لِمَا مرّ _, أباح فيه ما لم يبحه في غيره , فقد روى البخاري في صحيحه (2546) ومسلم (2605) عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:" ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فَيَنْمِي خيرا أو يقول خيرا."


قال ابن مفلح في الآداب الشرعية :"ويحرم الكذب لغير إصلاح وحرب وزوجة."اهـ


ولا غرو بعد هذا إذا ارتفعت درجة المصلح الباذل جهده وراحته وأمواله فِي رأب الصدع وجمع الشتات وإصلاح فساد القلوب، وإزالة مَا فِي النفوس من ضغينة وحقد, والعمل على إحكام روابط الألفة والإخاء وإطفاء نار العداوة والفتن , فَمَنْ أَلِفَ السُّهاد ، وَتَرَكَ الْوِسَادَ وَالْمِهَادَ لهذا، وَجَابَ الْبِلَادَ عساه يصلح الفساد، وَحُرِمَ بسببه الاجتماع بالْأَهْل وَالْأَوْلَاد ، نَالَ مِنْهُ الْمُرَادَ لأن مَنْ طَلَبَ وَجَدَّ وَجَدَ ، وَمَنْ قَرَعَ الْبَابَ وَلَجَّ وَلَجَ .


وإذا كانت النفوس كبارا** تعبت في مرادها الأجسام


وأقوم الوسائل التي تصفو بها القلوب من أحقادها أن يجعل كل امرئٍ نفسه ميزانًا بينه وبين إخوانه المسلمين فما يحبه لنفسه يحبه لهم وما يكرهه لنفسه يكرهه لهم.
فعن أبي حمزة أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يؤمن أحدكم حتى لأخيه ما يحب لنفسه."أخرجه أصحاب الست إلا أبو داود.
وهذه الطريقة هي التي كَانَ عليها السلف الصالح من المسلمين وكانوا بسبب ذلك مفلحين متحابين وحزب الله الغالبين.
وإرساءًا لهذا المعنى العظيم وتوسعة للضيق فيه, نبه بعض أهل العلم أن من جاءه أخ له يتحلَّلُهُ من مظالم له أن يحلله منها دون السؤال عنها حتى لا تقع الشحناء وتوسع دائرة الفرقة.


قال الشيخ المدقق العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ _حفظه المولى _ في شرح العقيدة الواسطية (مفرغا):
" وهاهنا تنبيه على مسألة مهمة الحقيقة ولا بد – خاصة الشباب – أن يرعوها وهي مسألة التحليل ، التحليل الذي جاء في السنة الأمر به في الصحيح أن النبي صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قال (من كانت عنده مظلِمة لأخيه في مال أو عرض) – لاحظ – (في مال أو عرض فليتحلله منه اليوم قبل أن يكون يوم لا درهم فيه ولا دينار) ، (فليتحلله منه اليوم).
هذا أمر ، يعني : أنت فيه مظلِمة بينك وبين أحد تروح تحلل منه ، نلت من عرضه ، تحلل منه ، يا فلان حللني ، هنا المستحب أيضا لمن سئل التحليل أن يُحلل دون سؤال عن السبب ، وهذا من الخلق بل من الأمور التي ينبغي للشباب أن ينشروها وأن يتواصوا بها ، مسألة التحليل .
فلان حللني.
الله يحللك, بدون ما يعترض.
ولهذا العلماء تنازعوا فيمن اغتاب غيره هل يسأل غيره أن يحلله ، فمنهم من قال : لا ، لا يسأل كشيخ الإسلام وغيره لأنه قد يقع من ذلك مفسدة ، ومَنْعُ هذه المفسدة بأن يكون المُستحَل منه ، يعني المُتحَلل منه ، أن يقول حللتك بدون السؤال عن السبب ، قد يكون اغتابه قد يكون وقع فيه ثم تاب ، وهي وسيلة من وسائل تحقيق المحبة في القلوب .
فالتحليل أولى من يفعله هؤلاء الملتزمون لأنهم أقرب الناس إلى محبة ما تحصل به السنة ثم يرشدون الآخرين ، التحليل طيب لأنه يوم القيامة ما في إلا أن تؤخذ إما من حسناتك فتوضع له أو من سيئاته فتوضع عليك ."اهـ


ولهذا كان من أفضل مراتب الصلح ألا يستقصي كل طرف حقه من أخيه, وإن كان الأمر فينا كما قال تعالى:" وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ " (النساء:128), إلا أن المنصف لإخوانه والمحب لهم _ إذا كيف يزعم محبتهم في الله ولله ثم يريد أن يستقصي الأمر ويستوفي حقه في الدنيا أو الآخرة , والأخيرة منهما أدهى وأَمَرُّ,فكيف مع محبته لهم يرضى لنفسه أن يأخذ من حسناتهم _ , يرى لزاما عليه ألا يجعل لنفسه حظا في هذا وأن يُحَكِّمَ الشرع في الأقوال والأعمال في القليل والكثير , وألا يصيّر عقله وهواه حاكما على النصوص ولا مُقَدَماً عليها , لأن العقل عزل نفسه وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى ودين الحق في جميع شؤونه وأموره, وفي هذا يقول الإمام الشعبي _ رحمه الله _:إن استطعت ألا تَحُكَّ رأسك إلا بدليل فافعل.اهـ


قال شيخ الإسلام بن تيمية في كتابه " درء تعارض العقل و النقل" (1/138) _تحقيق محمد رشاد سالم _ ومثله ابن القيم في الصواعق المرسلة:
"وقال بعضهم: العقل متولٍ , ولى الرسول ثم عزل نفسه.
لأن العقل دل على أن الرسول صلي الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر."اهـ كلامه


وإن أعظم ما أمر به: الصلح بين المسلمين وتجميع كلمتهم على الحق والهدى والمنهج القويم لا على الآراء والأهواء والبدع, فاللهَ نسأل أن يجعلنا من الصالحين, ويغفر لنا ولإخواننا, وأن يجعلنا من أتباع رسوله الكريم.


قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "شرح رياض الصالحين"في المعنى المشار إليه آنفا من عدم استقصاء حق النفس ما أمكن:
"إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه وأن لا يتبع نفسه لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملا وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملا فإن الصلح يتعذر لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملا وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملا لم يكن إصلاحا .
لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شح نفسه فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح وهذا هو الفائدة من قوله تعالى { وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} بعد قوله {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. "اهـ كلامه.


وقال رحمه الله أيضا في المصدر نفسه:
"يشير سبحانه إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشح وأن لا يطالب بكامل حقه لأنه إن طالب بكامل حقه طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه."اهـ بتصرف


وقال الإمام ابن سعدي في تفسيره (206):
"قال: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }.
ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح."اهـ


وفي مقابل كل هذا فإن الشرع نهى عن ضده من النـزاعات والخصومات التي توجب من الشر في الدين والدنيا ما لا يمكن حصره ؛ فيساء الظن ويقع الإثم وتحل القطيعة ويفرق الشمل,ويتحول الحال ويزيد المقال ويكثر الزلزال ويشتغل البال بالبلبال ؛ فبعد المحبة والصفاء تحل العداوة والبغضاء وبعد القرب والوصال تكون القطيعة والهجران ويصبح أحباء الأمس أعداء اليوم ، وتفسد ذات بينهم وتقع الحالقة التي لا تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" .
أنظر غاية المرام للعلامة الألباني برقم:(414).


قال السعدي في تفسيره في هذا المعنى الذي لطالما غفلنا عنه (202):
"والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا }."اهـ


نسأل الله أن نكون ممن ينتفع بما يقول ويكتب, فلِلَّهِ دَرّ قَومٍ بادَرُوا الأَوْقات، واسْتَدْركُوا الْهَفَوات وأصلحوا ذات بينهم، فالعَينُ مَشْغُولةٌ عن الدَّمْع بالمحرَّماتِ، واللسانُ مَحبوسٌ في سِجْن الصَّمْت بالمهلكات والموبقات، والكفُّ قد كُفَّت بالشهوات.
فلنتيقَّظْ مِن هَذِهِ الرَّقَدات،ولا يُطْمَعَنَّ في الخَلاص مَعَ عَدمِ الإخلاص في الطاعات، ولا يُؤَمّلنّ المرء النجاة وهو مقيمٌ على الخصومات,مؤثرٍ للدنيا على الآخرة.
وحسبنا في هذا ما قاله الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب _ رحمه الله تعالى _ في رسالته إلى أهل شقراء [ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية]:
"يا الله العجب !! , نعوذ بالله من الخذلان والحرمان , ما أعجب حالكم , وأَتـيَـهَ رأيكم , إذ تؤثرون الفاني على الباقي, وتبيعون الدر بالبعر , والخير بالشر , كما قيل:
فيا درة بين المزابل ألقيت ** وجوهرة بيعت بأبـخس قيمة


فتوكلوا على الله, وشمروا عن ساق الجد في دينكم، وحاربوا عدوكم, وتمسكوا بدين نبيكم, وملة أبيكم إبراهيم، وعضوا عليها بالنواجذ. "اهـ
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلى دينك وقَوْلِكَ الثابت في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وفي الآخِرةِ، واجْعَلْنَا هُدَاة مُهْتَدينَ مهديين وَتَوفَّنَا مُسْلِمينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ إِيمَانِنا بِكَ عَمِيقًا, وسَهِّلْ لَنَا إِلَى مَا يُرْضِيكَ طَرِيقًا, وَالطفْ بِنَا وَوَفِقْنَا لِلْبَاقِياتِ الصَّالِحَاتِ تَوْفِيقًا، واغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى وَآلِهِ وصَحْبِهِ.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


جمـعـه/
أبو الفضل الجزائري
غفر الله له

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 5:29 pm