www.sadana.yoo7.com * صدى الفكر * www.sada.tk


التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) الجزء الخامس عشر

شاطر
avatar
صدى الفكر
Admin
Admin

السمك الثعبان
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) الجزء الخامس عشر

مُساهمة من طرف صدى الفكر في الأحد سبتمبر 05, 2010 5:43 pm

القسم الثاني


الشخصية اليهودية من خلال القرآن الكريم


ورثة آدم وورثة إبليس
في أول قصة للخليقة وردت في القرآن جاءت قصة أبينا آدم عليه السلام مع إبليس (لع). بعدها مباشرة جاء الحديث عن بني إسرائيل (اليهود). ثم بعدها جاء الحديث عن أبينا إبراهيم عليه السلام، وورثته أمة الإسلام. ليظهر في النهاية أن أولئك (اليهود) هم ورثة إبليس اللعين، وأن هؤلاء (أمة الإسلام) هم ورثة آدم عليه السلام الحقيقيين.


1. عقدة النقص
تظهر عقدة النقص عند اليهود في القرآن من خلال النظر والتأمل في عدة آيات. منها قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) (البقرة:96). لقد جاء التعبير لكلمة (حياة) بالتنكير ليقول لك: إنهم حريصون على أية حياة، ولو كانت حياة مذلة ومهانة وعبودية، أو حياة الكلاب والقردة والخنازير والحمير!.
ومنها قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)


(البقرة:61). نفوس ذليلة مستكينة، دونية تطلب الدون من الأشياء بدلاً مما هو خير.
وقوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران:112).
ومنها قوله تعالى: (يَابَنِيإِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي
أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:47). إذ حولوا هذه الأفضلية من أفضلية عمل إلى أفضلية جنس أو عنصر. وهذه سمة المصابين بـ(عقدة النقص)، يتعوضون عن نقصهم وسوء أعمالهم بالدعاوى الكبيرة الفارغة؛ ليغطوا بها نقصهم وخواءهم. وانظر إلى تجبرهم حين قالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) (آل عمران:181)! وهذه لا يرتكبها إلا مريض بـ(عقدة النقص).
واليهود جمعوا بين سوء العمل، وكبر الدعوى. يقول تعالى عنهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:5).
وفي الآية تظهر حيلة (الإسقاط) النفسية. فاليهود وصفوا غيرهم بـ(الحمير) والبهائم (الغوييم)، بينما هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم ومن شابههم، بشهادة أصدق القائلين جل وعلا. فاليهود إنما (يُسقطون) على الآخرين رذائلهم وصفاتهم. بل بلغت بهم الصفاقة أن (أسقطوا) بخلهم على الله سبحانه! فقالوا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (المائدة:64).
وهذه الشخصية لا تفهم إلا لغة القوة: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:63). فأخذ الميثاق كان تحت التهديد بسقوط الجبل فوق رؤوسهم. لكن ما إن ذهب الخوف، وارتفع الطور إلى مكانه عنهم حتى رجعوا إلى ما كانوا عليه من تفلت وعصيان: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (البقرة:64). ولأمر ما كانت معجزة موسى عليه السلام في بني إسرائيل هي العصا.
وتتجلى عقدة النقص أو الضعف عند اليهود من خلال بنائهم الحصون واحتمائهم بها لا يقاتلون إلا من وراء جدرها . قال تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) (الحشر:2). وقال: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) (الحشر:14).
ومن ذلك تعلقهم بالتحالفات والقوى الخارجية، وتعويلهم التام عليها، لا على أنفسهم مستقلين عن غيرهم، ما يدل على تأصل الضعف فيهم، وأنه ضعف ذاتي، لا ينجبر إلا بالغير. كما قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍمِنَالنَّاسِوَبَاءُوابِغَضَبٍمِنَاللَّهِوَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) (آل عمران:112).
ومنها تذللهم لعلمائهم حتى عاملوهم معاملة الأرباب، وأنزلوهم منازل الآلهة:
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا
لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31).
ولولا عقدة النقص ما اتخذوا العجل معبود عدوهم إلهاً لهم! (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (الأعراف:152). فهي ذلة متأصلة في نفوسهم عقوبة القدر جزاء ذنوبهم ومعاصيهم.
ومنها عقيدة (المخلص) الخارجي الذي سينقذهم من واقعهم بطريقة سحرية خرافية دون تدخل منهم. وما ذاك إلا لعقدة النقص التي تجعلهم يطلبون الخلاص لا من داخل أنفسهم، وإنما يتطلعون دوماً إلى المنقذ الخارجي. قال تعالى: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة:89). لقد كانوا يبشرون أنفسهم بالنبي الموعود الذي سيتم الفتح على يده، ويقتلون به أعداءهم؛ فهم يستفتحون به عليهم. وجاء المنقذ، وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. لكن لما كانوا يتخيلون – كما يتخيل الشيعة عن مهديهم – أن الإنقاذ سيكون على يديه بطريقة سحرية دون تدخل منهم - إضافة إلى كونهم يريدونه من بني إسرائيل – وجاء الواقع على غير ما يتخيلون. فالإنقاذ لا بد له من عمل مناسب يقومون به. فلما وقع الأمر على غير أوهامهم كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وعادوا يعتقدون بالوهم، يتعللون به، يسمونه ملك السلام. وما هو إلا المسيح الدجال مهدي الشيعة.
وبسبب هذه العقيدة (المخلص الخارجي) مع الضعف الذاتي تجد الخيانة حاضرة لدى اليهود والشيعة؛ إذ تنعكس هذه العقيدة في الواقع العملي تعلقاً بكل قوة خارجية، واستعانة بها على أوطانهم. فاليهودي والشيعي – إلا من رحم – لا يشعر بالانتماء إلى وطنه. مطبوع على العمالة للأجنبي.
وتجد عقدة النقص حاضرة في قولهم كما جاء في الآية الكريمة: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:88)، وقوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً) (النساء:155). وهذه تسمى في علم النفس بـ(عقدة الخصاء الذهني)، وهي أحد مظاهر (عقدة النقص).


2. الخوف والجبن
وهذه السمة فرع عن عقدة النقص . في (سورة البقرة) قصتان : أحداهما (قصة
البقرة) عبرت عن بخل اليهود بالمال، والأُخرى (قصة طالوت وجالوت الآيات:246-251) عن جبن اليهود وبخلهم بالنفس في سبيل الله. ورد في مواضع عديدة الحديث عن خوف اليهود وجبنهم، منها قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96). وهذا هو أصل الخوف والجبن: حب الدنيا والحرص الشديد على الحياة.
وفي المحاورة التي دارت بين موسى عليه السلام وقومه وهو يحرضهم على دخول الأرض المقدسة صورة بشعة للجبن الذي كانوا عليه. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ*يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:20-24).
(لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ*لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر:13-14). وهذا وإن جاء في سياق الحديث عن المنافقين، إلا أن الواقع يفسره باليهود؛ إذ هم الذين يومها قاتلوا المسلمين (فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ). وكما قال تعالى عن بني النضير: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2). وقال: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) (الأحزاب:26). والصياصي هي الحصون.
ومن علامات الخوف تعاملهم مع مواطنيهم بـ(التقية)، كما قال تعالى: (وَإِذَا لَقُوا
الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76).


3. عقدة الاضطهاد
تولدت (عقدة الاضطهاد) من طول القهر والمعاناة التي تعرض لها اليهود في تاريخهم، كما جاء في قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (البقرة:49). وقوله: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129).
وتتجلى هذه العقدة من خلال وجود سمتين متناقضتين في الشخصية اليهودية: التجبر
في الأرض عند التمكن إلى حد تجرؤهم على قتل الأنبياء عليهم السلام، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى التذلل والمسكنة عند الضعف إلى حد الحرص على الحياة (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أي حياة مهما كانت ذليلة مهينة! وهذا من أبرز سمات (الشخصية الاضطهادية).
وفي ذلك يقول تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87). ويقول: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران:181). وانظر إلى تكبرهم عن الحق حين يشعرون بالقوة: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:55)! لكنهم في الوقت نفسه كما قال سبحانه عنهم: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (البقرة:61). تأمل كيف جمعوا بين الذلة والمسكنة (الماسوشية)، وبين قتل الأنبياء والكفر والعصيان (السادية).
وبينما تجدهم في حال أذلاء يتمسكنون، تجدهم في حال أخرى عتاة قساة إلى حد التحجر: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (البقرة:74). ومن هنا نشأت لديهم (عقدة الانتقام)، والتلذذ بتعذيب الضحية (السادية).


4. العدوانية والعنف
تتمثل هذه العقدة بقسوة قلوبهم البالغة كما تشهد به الآية السابقة ، وكذلك قولـه
تعالى : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) (المائدة:13) ، وكثرة إقدامهم على جريمة كبيرة مغلظة هي قتل الأنبياء عليهم السلام. بل تفاخرهم بها كما أخبر عنهم ربنا تعالى فقال: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) (النساء:157)!
وليس هذا لأنهم لا يعتقدون بصدقهم. بل الأمر على العكس كما قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146). وقال: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) (الصف:5). فهم يؤذون رسولهم عن علم.
إن السبب الحقيقي هو مجيء الأنبياء بما يخالف رغباتهم وأهواءهم، كما قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87). وقال: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) (المائدة:70)! كما حاولوا قتل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة.
ولنفوسهم المطبوعة على العدوانية والعنف تراهم يحاولون إثارة الحروب بين الأمم. قال تعالىSadوَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة:64).


5. البخل وحب المال والخضوع لسلطانه
تحدث القرآن عن بخل اليهود وحبهم الجارف للمال في عدة مواضع منه . أولها
حين قص علينا قصتهم مع البقرة (الآيات: 67-73). وفيها يظهر تعنتهم البالغ في مدافعة الأمر الإلهي بشتى الحجج الواهية حرصاً على عدم ذبح بقرة.. أي بقرة! ولبخلهم الذي بلغ حد العقدة، التي يُسقطونها على الغير، حتى لو كان هو الله سبحانه!!! وصموا الرب جل جلاله بالفقير الذي يستجدي أموالهم حين نزل قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
(البقرة:245)فقالواSadإِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌوَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) (آل عمران:181)!
وفيهم وفي أمثالهم نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة:34). وما ذلك إلا لحبهم الشديد للمال. وهذا ما دعاهم لأن يتطلبون المال من أي وجه كان، بالحق وبالباطل، ويأكلون السحت الحرام. قال تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء:161). وقال: (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (المائدة:62). وقال: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة:63). وقد صور القرآن شدة بخلهم حين قال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) (النساء:53)!.
بل وصل الحال بهم إلى أن عبدوا الذهب في صورة العجل! قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (الأعراف:148). وقال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة:92). لقد كان العجل رمز القوة عند الفراعنة الذين كانوا يضطهدون اليهود؛ فكان المفترض فيهم أن يكفروا بكل صورة للعجل، لا أن يحبوه إلى حد العبادة.. حباً وصفه الله تعالى أبلغ تعبير حين قال: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:93)!. ولكن الشخصية الاضطهادية تفرض على المصاب بها أن يقع فيما يسمى في علم النفس بـ(التوحد بالمعتدي). فـ(يجتاف) المضطهد صفات وشخصية من اضطهده، ويصبح صورة مشوهة عنه.
ولعظمة المال في نفوسهم، وشدة خضوعهم لسلطانه، لم يتصوروا ملكاً أو قائداً إلا غنياً. أما الفقير فلا يصلح للقيادة. قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) (البقرة:247).


6. عقدة السيد أو الشعور بالتمايز
تبدو هذه العقدة واضحة من خلال الآيات التالية:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (المائدة:18).
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (النساء:49).
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) (آل عمران:24).
(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:94).
6. عقدة التعصب
يقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ) (البقرة:91). أي لا نتبع إلا ما أنزل علينا، وأما ما كان عند غيرنا فلن نتبعه حتى لو كان حقاً نازلاً من عند الله! فهم لم يقولوا: نؤمن بما أنزل من عند الله مطلقاً، وإنما قالوا: نؤمن من ذلك بما كان نازلاً علينا فقط! فأي تعصب أبلغ من هذا؟!!! ومن ذلك قولهم: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (آل عمران:73). بعد تحايلهم في صرف المسلمين عن دينهم الذي جاء في قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران:72).
ويتجلى التعصب عندما ينظر إلى (الآخر) على أنه شر كله. ليس فيه من خير قط! وإنكار ما عنده مطلقاً، دون تفريق بين حق وباطل. وذلك رغم ما يشهد بخلافه ما عندهم من كتاب: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة:113). أين هذا من النظرة الموضوعية الإسلامية؟ والإنصاف الرباني الذي يعطي كل ذي حق حقه؟ كما في قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران:113). وقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:75). ولا يفوتنك النظر إلى تعصبهم المقيت في الآية حين أباحوا مال الغير مدعين كاذبين عن علم ويقين أنه (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
ومن تعصبهم ما جاء في قوله تعالى عنهم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120).
ومنه قوله : (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ*وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:73).


7. الخداع والمراوغة
يقول تعالى عن بني إسرائيل: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42). لكنهم أبوا إلا أن ينساقوا مع انحرافهم النفسي، ويمارسوا دورهم في خداع الناس وتضليلهم! كما قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران:71). وقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (آل عمران:99). وقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) (النساء:44). وقال: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) (النساء:160).
ومن ذلك التلاعب بألسنتهم خداعاً وتضليلاً. قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:78).
ومن أساليبهم المخادعة تلاعبهم بالكلمات كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:104).
وقال: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً) (النساء:46).
وفي قصة (البقرة) شاهد واضح على تأصل طابع المراوغة في نفسية اليهود.
وكذلك تحايلهم في صيد السمك يوم السبت، وقد نهوا عنه. فنصبوا شباكهم ليلة السبت، واستخرجوها يوم الأحد.


8. الكذب
رصد القرآن أكاذيب اليهود في مواضع كثيرة منها:
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:75).
وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً*انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء:49-51)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:41)
ومن أكاذيبهم قولهم: (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ).فرد
الله عليهم كذبتهم هذه بقوله: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران:183).
ومنها قولهم للمشركين: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء:50).


9. الحقد
تجد صفة الحقد عند اليهود بارزة في قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة:82). هذا وقد ظهر من عداوة النصارى للمسلمين من الفظائع ما ظهر. ومع ذلك فاليهود أشد منهم عداوة. ولكن أولئك يقدرون فيظهرون، وهؤلاء في أكثر الحقب يعجزون فيضمرون. ويعوضون عجزهم ونقصهم بإثارة الحروب على البشرية عن طريق الآخرين. قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة:64). وفي الآية تنصيص على العداوات والبغضاء فيما بينهم، فكيف فيما بينهم وبين غيرهم؟!
وحين تستقرئ الواقع – والعراق والأحواز شاهد – تجد أن الشيعة أشد عداوة للذين آمنوا من اليهود. وإليهم الإشارة في قوله: (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا). فقد بلغوا من الشرك وخبث العقائد ما فاقوا بها المشركين من قبل.


10. اللؤم أو نكران الجميل
انظر كيف أحسن الله إليهم برغد العيش والأمن كما أخبر فقال: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:58)! ثم انظر كيف كان ردهم على هذا الجميل: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (البقرة:59)!
وقد تفضل الله عليهم بأنواع لإحسان والنعم، لكنهم قابلوا ذلك بالجحود والنكران. ومن ذلك ما قصه الله تعالى عنهم بقوله الشريف: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف:160).
وقد أشار الله جل وعلا إلى لؤمهم وعدم وفاءهم بقوله: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (البقرة:40،41). مع هذا الإحسان، وبدلاً من أن يكونوا أول الأوفياء الشاكرين، أبوا إلا أن يكونوا أول الكافرين!!! وأجد في الآية إشارة وجدانية في غاية التأثير، في قوله: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ). فكأنه يقول: إذا كان ولا بد فكونوا آخر الكافرين، لا أولهم!
ومن لؤمهم كثرة نقضهم للعهود والمواثيق. كما قال تعالى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:100).
وفي قصة الإسرائيلي مع النبي موسى  ، التي وردت في سورة (القصص)، حين استنصره على عدوه الذي كان يقتتل معه في السوق، مثال واضح على اللؤم وعدم الوفاء عند يهود. لقد كان جزاء موسى على إحسانه أن أفشى ذلك اليهودي السر في اليوم التالي، وتقمص جبة الواعظ وهو يقول لموسى  : (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص:19)! ودفع موسى الثمن تشرداً راعياً للغنم في الصحراء بعيداً عن أهله ووطنه. بعد أن كان ينعم برغد العيش في قصور فرعون!

11. البارانويا وأوهام الاضطهاد
يحس اليهود بالغبن ويشعرون بالاضطهاد من الآخرين، ولو لم يكن حقيقياً، أو كانوا هم السبب فيما يحصل لهم من أذى على سبيل العقوبة والقصاص. وتهدف هذه العملية النفسية لا شعورياً (إلى تبرير أو شرعنة العدوان على الغير من خلال تأثيمه وتحميله مسؤولية ما يوجد من شر أو مأزق أو خراب، مع تبخيسه والحط من قدره وتحويله إلى عقبة وجودية في طريق السعادة والوصول إلى تحقيق الذات أو الهدف. يترافق ذلك مع رد فعل يتلخص ببراءة الذات التي تصور كضحية لذلك الغير. وبهذا ينفتح السبيل أمام إطلاق العنان للعدوانية الذاتية في رد فعل تهجمي تدميري ضد الآخر المسؤول تحت شعار الدفاع المشروع عن النفس. وعماد شرعنة العدوان على الغير هو الإحساس بالغبن، وبروز الاتجاه الانتصافي أو الثأر للذات)1.تجد هذا الانحراف النفسي واضحاً في عداوتهم لجبريل عليه السلام! فقد روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده عن ابن عباس  أن عصابة من يهود حضرت النبي  فسألته عن أشياء فصدقوه بها جميعاً، حتى قالوا له: (وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك؟ قال: فإن وليي جبريل  ، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك. لو كان وليك سواه – وفي رواية: لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر – لتابعناك وصدقناك. قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا – وفي رواية: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب – فعند ذلك قال الله عز وجل: (من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله: (كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون). فعند ذاك (باءوا بغضب على غضب). وأصل الحديث في عداوتهم لجبريل  في صحيح البخاري.
ولهذا السبب شرعنوا وأجازوا لأنفسهم كل ما يفعلونه بالغير من شر وأذى متذرعين بقولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران:75). وفيه يبرز (تشييء الآخر)، و(الاتجاه الانتصافي) في التعامل معه




12. الصفاقةوالوقاحة
الصفاقة: قلة الحياء ومثلها الوقاحة. ولم أر كاليهود – ومثلهم الفرس - في صفاقتهم وبرودة وجوههم!
انظر إلى صفاقتهم في افتخارهم (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) (النساء:157)!
وإلى جرأتهم وقلة حياءهم مع الله رب العالمين حين قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) (المائدة:64)!
وإلى تعنتهم في الاستجابة لدواعي الإيمان حتى قالوا لنبيهم الذي كتب الله تعالى على يده الخلاص لهم من فرعون وظلمه: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (البقرة:55)! بل وصل أذاهم له إلى أن اتهموه في عرضه! وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) (الأحزاب:69). وتأمل هذه الشكوى الأليمة من إنسان لم يبدر منه إلا الإحسان إليهم، ثم هم لا يترددون من وصمه بما وصموه به. حتى لكأني أحس بصدر النبي الكريم موسى  يئز وهو يقول لهم: (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) (الصف:5)!!! وكان النبي محمد  إذا أوذي تذكر موسى  فيقول: (رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) رواه البخاري.


13. الخرافية والسحر
أما السحر فهم أهله وأمه وأبوه! نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتركوه إلى السحر والشعوذة! كما قال سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة:101،102).
وقد أشربت عقولهم وقلوبهم الخرافة . فهم يستجيبون إليها لأضعف داع . فهاهم اللحظة نجوا من فرعون ، وعبروا البحر بأعجوبة معجزة (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) (الأعراف:138) فتصور!


وما إن تركهم موسى  ليناجي ربه، حتى انفرد بهم السامري، واستهوى أفئدتهم بشعوذات خرافية (قبضة تراب ودعوى كاذبة)ليحولهم - وببساطة مذهلة - من التوحيد إلى الشرك! (قَالَ فَمَا
1


خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (طـه:95،96)!.
أما توراتهم المحرفة فتعج الخرافات والأكاذيب الخارجة عن مقتضى العقل. ولست
في مقام البحث والتقصي؛ فلا أراني في حاجة إلى الاستشهاد بشيء منها. وأكتفي بهذه الإشارة.


14. الحسد
الحسد تعبير عن نفسية طفولية نكوصية، لا يليق بإنسان ناضج، فضلاً عن أمة يفترض أن تكون حاملة لرسالة عالمية. وأرى منشأه من عقدة النقص. فإن المرء المصاب بعقدة النقص إذا وجد نفسه عاجزاً عن مجاراة الآخرين تمنى زوال نعمتهم؛ ليتساووا أجمعين. يقول سيدنا عثمان ذو النورين  : (ودت الزانية لو زنت النساء كلهن).
ومما جاء في حسد اليهود من آيات:
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (البقرة:90).
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54).
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة:109).


15. الغدر
اشتهر اليهود بالغدر ونقض العهود. ومن ذلك ما فعل بنو النضير من محاولتهم
قتل رسول الله  غدراً بإلقاء صخرة عليه من فوق بناء كان يستظل به عندهم، وقد كان بينه وبينهم عهد وموثق، وجاءهم يستعينهم على دية رجلين قتلهما أحد أصحابه (عمرو بن أُمية الضمري) خطأً. وكان ذلك هو السبب في إجلاءهم. وفيهم نزل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2). وقد بوّب البخاري في صحيحه: (باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله  إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ). واستشهد عليه بالآية السابقة. وفي سنن أبي داود عن أحد الصحابة قال: (أجمعت بنو النضير بالغدر فأرسلوا إلى رسول الله  ...).


المبحث الثالث


المنهج القرآني في التعامل مع اليهود


قبل أن نبدأ البحث في منهج القرآن في التعامل مع اليهود، لا بد أن نبين أن اليهود لم ينتفعوا من دعوة الإسلام بشيء، وظلوا على كفرهم ودينهم إلا القليل منهم. وهذا يعني عدة أمور، منها:

ليس من شرط العلاج أن يصل بالمريض إلى الشفاء؛ فلربما يكون المرض قد بلغ مرحلة اليأس. (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) (الرعد:31). فلا يصح أن نترك العلاج الرباني لعدم انتفاع المدعو به، ونظل نجرب علاجات أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، متعللين بما يسمى بـ(الحكمة). التي دخل تحت مسماها كل شيء إلا حكمة الشرع! لقد كان رسول الله  بالغ الحكمة، ومع ذلك لم يستطع هداية قوم استحبوا العمى على الهدى. يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99).
إذا كان سبب الضلال مرض القلوب وزيغها، وتشربها بالكفر والبدع والمعاصي، فهيهات هيهات أن تهتدي. إلا وفق شروط صعبة جداً! يقول تعالى:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (الصف:5).
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10).
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:125).
ولهذا لم يهتد اليهود، وما كان لهم أن يهتدوا؛ فتعامل القرآن الكريم معهم على هذا
الأساس: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75).
ولما كان ضلال الشيعة سببه مرض القلوب وزيغها ؛ فيبعد أن يهتدوا كذلك؛ فينبغي التعامل معهم على هذا الأساس. ولما كانت أمراض الفريقين متشابهة؛ فالعلاج أو التعامل مع كلتا الطائفتين ينبغي أن يكون واحداً أو متشابهاً. فلننظر إلى طريقة القرآن - التي طبقها الرسول  - في التعامل مع اليهود، ثم نعديها إلى الشيعة. إن هذا هو أقرب شيء إلى الصواب في مواجهة الشيعة ومحاولة علاجهم من مرض التشيع.
مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود فارق، ربما يكون له تأثير في تنويع العلاج شيئاً ما، هو العامل العرقي والاجتماعي. فإن هناك نسبة من الشيعة يمكن أن نقدرها بحدود 10% تتحسس انتماءها العربي، ولها تقاليدها العشائرية التي ربما تجعلنا نفكر في اتباع وسائل وأساليب محورة بعض الشيء عن الوسائل والأساليب المطلوب اتباعها مع يهود، ومع هذه النسبة (10%) حصراً. مع ملاحظة أمرين مهمين:
1. أن هذه النسبة لا أثر لها في توجيه الأحداث، وتخفيف حدة التيار الشيعي الشعوبي العام. فلا ينبغي التعويل عليها بشيء. إنما ينظر إليها عند البحث في المعادلة الدعوية.
2. لا ينبغي أن يؤثر الطمع في تغيير هذه النسبة في الخط العام لأسلوب المواجهة والتغيير، الذي نرى وجوب مشابهته التامة لأسلوب القرآن الكريم مع اليهود.


المعالم الرئيسة للمنهج
في بداية الفصل الأول من كتاب (لا بد من لعن الظلام) كان الحديث عن المنهج القرآني في خطاب اليهود والتعامل معهم، وذلك من خلال (سورة البقرة).


1. الدعوة المجملة إلى الحق
وقد تبين لنا أن القرآن العظيم اكتفى بدعوة اليهود دعوة مجملة مقتضبة إلى الإيمان بالدين الحق وتقوى الله تعالى، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتطبيق ما في التوراة عموماً، وفاء بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم مع الله عز وجل: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).
ويلاحظ على أسلوب الدعوة أنه كان شديداً من البداية، ونبرته تزداد حدة جملة بعد جملة: (وَآمِنوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ* أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:40-44).
وظلت النبرة في علوها المتصاعد آية آية، حتى دمغتهم بمخازي أجدادهم الذين خالفوا الأوامر وارتكبوا ما نهوا عنه فغضب الله فعاقبهم عقوبة يندى لها الجبين. ولم يتردد القرآن في التذكير بها مداراة لهم، أو تقرباًمنهم ، بل صرح قائلاً: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65).
ولم يكتف القرآن ببيان الحق البعيد عن الإثارة – كما هو ديدن الترضويين المهزومين -بل أمرهم بالحق المعطل الذي ينفرون منهومن ذكره،فضلاً عن الأمر به. ويلاحظ أنه حتى الدعوة إلى أفراد الحق المتروك كالحكم بما في التوراة، جاءت في أسلوب الإنكار والتقريع على تركهم إياها! اقرأ قوله تعالى:

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 23, 2018 11:32 am