www.sadana.yoo7.com * صدى الفكر * www.sada.tk


التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) الجزء الحادي عشر

شاطر
avatar
صدى الفكر
Admin
Admin

السمك الثعبان
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

التشيع (عقيدة دينية ؟ ام عقدة نفسية) الجزء الحادي عشر

مُساهمة من طرف صدى الفكر في الأحد سبتمبر 05, 2010 5:35 pm

14. زيارة المراقد وانتشار ظاهرة الأضرحة
زيارةالمراقد هي أعظم طقس عبادي يمارسه الشيعة في حياتهم الدينية، على اعتبار أن (الإمامة)هي أعظم الأصول النظرية عندهم؛ فزيارة (الأئمة) لتقديم مراسيم الولاء والتقديس لهم ، ثم طلب الحاجات منهم ، لا بد أن تكتسب الأولوية في سلم الطقوس العملية.
ويقف د. حجازي هنا عند هذه الظواهر والرموز كي يتناولها بالعرض والتحليل الذي تدرك من خلاله كيف تفعل (عقدة النقص) فعلها في نشوء الدافع النفسي للتعلق بالأولياء ذلك التعلق الخرافي البدعي، بل الشركي، ونسبة الكرامات التي هي في حقيقتها - على الأغلب الأعم – خرافات رسختها الإذاعة والإشاعة لتستوطن تلك الأرضية النفسية المفعمة بالشعور بالحرمان والاضطهاد؛ لأنها هي البيئة الأنسب لنموها وترعرعها وانتشارها، فيقول:
(تنتشر ظاهرة التعلق بالأولياء. واللجوء إليهم لاستجلاب الخير ودرء الشر, بكثرة
في القطاعات المقهورة من السكان . وتتفشى خصوصاً حيث يعم الجهل والعجز وقلة
الحيلة, وحيث يتعرض الإنسان لأقصى درجات الاعتباط من الطبيعة يأتيه كتهديد لقوته وصحته وولده, ومن الإنسان يصيبه كقمع وتسلط واستغلال. الإنسان المقهور بحاجة إلى ولي لشدة شعوره بعجزه وقصور إمكاناته على التصدي والمجابهة والتأثير. ويحتاج إلى حماية نظراً لشدة إحساسه بالعزلة والوحدة في مجابهة مصيره المحفوف بالمخاطر حين تلم به النوائب أو يصاب في نفسه أو ذويه أو أمنه أو قوته. فالولي ملاذ ومحام يتقرب إليه ويتخذه حليفاً ونصيراً, كي يتوسط له لدى العناية الإلهية. الولي هو ولي الله, ومن خلال التقرب منه تتحقق الحاجات وتعم الرحمة الإلهية. وتسقط على الولي قدرات خارقة لها علامات, هي الكرامات التي تميزه عن سائر البشر...
من الواضح أن هذه الكرامات تشكل النقيض تماماً لوضعية الإنسان المقهور. فهي ترسم صورة الإنسان الفائق الذي يعوض صورة الإنسان المهان واقعياً. وهي تجسد أماني الجماهير المغلوبة على أمرها في أمل الخلاص من خلال وجود نموذج الجبروت الطفلي هذا. ومن خلال إمكانية التقرب من الولي صاحب الكرامات الخوارق, الذي يفلت من قيود الواقع والزمان والمكان، بواسطة الأدعية والنذور والقرابين. تلك أوالية ضرورية للتوازن النفسي لهذه الجماهير العطشى إلى إرضاء حاجاتها لمصير مغاير لمصيرها, العطشى لمظاهر الجبروت (القدرة على تحقيق الأماني). فقط من خلال أمل كهذا تظل حياة القهر ذات الآفاق المسدودة والتهديد الدائم ممكنة.
تحدث الكرامات إجمالاً لأناس اصطفتهم العناية الإلهية دون أن يكون لهم في ذلك فضل أو إرادة (دون جهد أو تدريب وإعداد وإدارة كفاح). فقد يكون صاحب الكرامة ذكياً أو غبياً عالماً أو جاهلاً. وتلمح في ذلك الاعتباط الذي يميز وجود الإنسان المقهور، الخاضع لقدرية ليس له فيها أي مسؤولية. ذلك ما يدفع به إلى القبول بقدره من ناحية ويجنبه مشاعر الذنب النابعة من فشله من ناحية ثانية, ويدغدغ في نفسه أمله الطفلي بتغير ما ورائي يصيب مصيره, فيحوله من حال إلى حال من ناحية ثالثة، إذ قد يجد نفسه يوماً صاحب كرامة دون أن يدري أو يقصد. ويكون له الخلاص والرفعة بعد بؤس وضعة. حينما يستفحل عجز الإنسان وقصوره, وحده الخلاص الخرافي يظل ممكناً كأمل يبقي له على رمق من الحياة)1.
وعن انتشار ظاهرة الأضرحةيواصل د. حجازي حديثه الشيق، فيتطرق إلى الأسباب النفسية الكامنة وراء ذلك في المجتمعات الاضطهادية. إن زيارة واحدة للجنوب العراقي تريك الفرق الشاسع في عدد المراقد بين المناطق الشيعية والمناطق السنية التي لا تكاد ترى فيها مرقداً لولي إلا بصعوبة. ذهبنا مرة في سفرة إلى البصرة. وما إن صرنا على مشارف الحلة حتى التفتّ فرأيت صاحبي قد أخرج ورقة وصار ينظر إلى بعض المراقد التي بدأت تطل بأعناقها ونحن على الطريق الدولي. قلت له: ماذا تفعل؟ قال: أريد أن أحصي عدد الأضرحة على الطريق. فضحكت لطيبة قلبه، قلت: ستتعب. لكنه ابتسم واستمر يكتب. ثم ما إن سارت بنا السيارة بضع عشرات من الكيلوات حتى وضع القلم جانباً وهو يضحك معلناً الاستسلام! وفي مرة سابقة كنا متوجهين إلى السماوة سالكين الطريق القديم، ننظر عن يمين وشمال فنرى لافتات حديدية لا حصر لها، كل واحدة منها مكتوب عليها عبارة (إلى الإمام فلان). كان معنا صديق من أهل الفلوجة، بينما نحن في وسط الطريق، والسيارة تنهب بنا الأرض نهباً إذا به يقطع علينا لحظات صمت مرت بنا وهو يقول ضاحكاً بقوة متعجباً: انظروا ما مكتوب: (إلى الإمام خلَف)! هل سمعتم بإمام اسمه خلف؟! ونظرنا فإذا لافتة من سطرين: الأول هو (إلى الأمام خلف) وتحته مكتوب (القائد صدام حسين) فتكون العبارة كاملةً هكذا: (إلى الأمام خلف القائد صدام حسين)!لقد استعجل صاحبنا فقرأ السطر الأول، ولم يجد نفسه في حاجة إلى قراءة ما بعده لكثرة ما قرأ من أمثالها! وصاح متعجباً قبل أن ينتبه إلى تكملة العبارة في السطر الثاني. وشهد الزمان ساعتها نكتة قوية ضحكنا لها كثيراً !.
يقول د. حجازي: (تنتشر أضرحة الأولياء ومقاماتهم في كل أرجاء المجتمع المتخلف. ولا تكاد تخلو منه قرية, أو حي في المدن الكبرى. وتشكل هذه الأضرحة نواة التجمعات السكانية, تقوم حولها أماكن العبادة ثم تحيط بها المساكن والمنازل والفنادق, وتنتشر الأسواق التجارية. فهي إذاً محج وملجأ وأماكن للتبرك واستجلاب


الخير كما أنها أماكن للحماية من غوائل الطبيعة والناس. من جاور ضريح الولي فهو في مأمن، ولا بد أن يناله قسط من بركته. تتجمع الجماهير المقهورة سكانياً حول أضرحة الأولياء ومقاماتهم, كما يتجمع أعضاء حزب معين حول شخص الزعيم طلباً للهداية والحماية, وتقرباً من مصدر الخير.
وهناك أسطورة تخصص الأولياء في قضاء الحاجات. فهناك من يشفي من الصداع,
وآخر من العقم, وثالث من الحسد, ورابع يرد الكيد, وخامس يمد بأسباب القوة على الحبيب الهاجر, وسادس ينصر على الغريم, وغيره يرد الغائب وهكذا. ويبرز في التجمعات السكنية المتخلفة عدد من مقامات هؤلاء الأولياء يغطي كل الحاجات التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها، والتي قصر الحاكم في القيام بواجب تلبيتها. بالإضافة إلى النذور والقرابين, تحتل الأدعية والابتهالات مكانة خاصة في التقرب من الأولياء, والتماس قضاء الحاجات على أيديهم وببركتهم وتتنوع الأدعية لتشمل مختلف الأغراض وتصلح لقضاء الحاجات المتنوعة للفئات المغبونة. فهناك أدعية للشفاء من المرض، وأخرى لتفريج الغم، وثالثة لإزالة الكرب، ورابعة لتوسيع الرزق، وخامسة لتوكيد المحبة، وسادسة للخلافات الزوجية وهكذا...
من خلال هذه الصور الخيرة للأولياء وكراماتهم وبركتهم، والأدعية وغيرها من وسائل التقرب منهم, يملأ الإنسان المقهور خواء عالمه العاجز المحدد بأمل القدرة على التصدي لواقعه، والتحكم بمصيره بمقدار ما يتخذ من هذه الرموز حلفاء له. جبروت الرجاء يحل محل قوة الفعل التغييري. روحية الاستجداء والاحتماء تحل محل المطالبة بالحق والتصدي لانتزاعه)1.


15. المتعة والشذوذ الجنسي ونكاح المحارم
كتبت في آخر كتاب (نكاح المتعة نظرة قرآنية جديدة) تحليلاً اجتماعياً عن علاقة هذا النوع من الصلات الجنسية بالحضارة الفارسية جاء فيه ما ملخصه: من خصائص الحضارة الفارسية أنها حضارة قامت على الفساد والتحلل الخلقي والإباحية الجنسية. وقد اختلفت في ذلك عن الحضارة الغربية بأنها قد أطرت فسادها بإطار الدين، على عكس أختها الغربية التي ظلت واضحة في فسادها، صريحة جلية في عهرها.وإذا كانت هناك شعوب أخرى قد اشتهرت بالإباحية والفساد الخلقي فإن الشعب الوحيد - على ما يبدو - الذي غلف فساده بالدين، وأعطاه مشروعية دينية هو الشعب الإيراني. ومنذ أقدم عصور التاريخ.فالزرادشتية تبيح زواج الابن لأمه والأب لابنته والأخ لأخته(2).والمزدكية تقول باشتراك الناس في الأموال والنساء وأصبحت دين الدولة الرسمي في عهد الملك قباذ الأول

عام 488م. والخرمية - وهي ديانة متطورة عن المزدكية ، وتعني بالعربية دين الفرح - تمتاز بالإباحية العامة(1).
وتسللت هذه الرذائل متسترة بالدين إلى جميع الفرق الفارسية التي انتسبت للتشيع. ولست في مقام تفصيل أسمائها وأفعالها.
إن إباحية الجنس والمال في الديانتين : المزدكية والخرمية، وغيرهما من الديانات
الفارسية القديمة ظهرت بشكل مقبول مؤطر باسم شرعي، ويمكن ربطه ببعض الألفاظ
القرآنية.
أما الإباحية الجنسية فظهرت باسم (المتعة) التي تغني صاحبها، وتعوضه عن أشد
حالات التحلل والفساد الجنسي. والتي هي تقليد زرادشتي قديم لا يختلف تخريجه الفقهي كثيراً عما موجود في الفقه الشيعي الحالي! بحيث يستطيع كل متأمل أن يستنتج أنهما يخرجان من عمامة واحدة ، وأن هذا ما هو إلا نسل (محسَّن) عن ذاك! وفي ذلك تقول د. شهلا حائري حفيدة المرجع الديني الإيراني آية الله حائري: (عند الزرادشتيين يحق للزوج أو رب العائلة إعطاء زوجته أو ابنته من خلال إجراءات رسمية رداً على طلب رسمي إلى أي رجل من قومه يطلبها كزوجة مؤقتة لفترة محددة. وفي هذه الحالة تبقى المرأة زوجة دائمة لزوجها الأصلي وفي الوقت نفسه تصبح زوجة مؤقتة لرجل آخر. وأي طفل يولد خلال فترة الزواج المؤقـت يعود إلى الزوج الدائم أو لوالد المرأة وفقاً للحالة)(2).
وكذلك نكاح المحارم الذي كان يمارس في إيران قبل الإسلام انتقل تقليده - بصورة أو بأخرى - إلى جميع الفرق والمجتمعات التي صارت تدين بهذا الدين الدخيل الغريب على حضارتنا الإسلامية وجذورها العربية.
ومن معلوماتنا القريبة الموثقة أن أكثر المتشيعين فارسياً تعاطياً للواطة هم طلاب الحوزات الدينية! والتحليل النفسي يشير إلى علاقة هذه الرذيلة بـ(عقدة الذنب) التي تجعل صاحبها يميل إلى التعرض بكل وسيلة إلى معاقبة نفسه؛ فيتحول إلى شخص (ماسوشي) يتلذذ بإيقاع العقاب من قبل الآخر والخضوع له إلى حد الانبطاح والافتراش. ومن هنا نشأت رذيلة (الأُبنة) في تلك الأوساط. وقد دلت الملاحظة العلمية النفسية على أن (الماسوشي) كثيراً ما يكون (سادياً) أيضاً تجاه من هو أضعف منه، وهو دائم البحث عن ضحية يمارس عليها (ساديته) التي تبلغ قمتها بافتراشها وممارسة

اللواطة بها. وهذا برأيي هو الجذر النفسي لتفشي هذه الرذيلة في المجتمع الإيراني قبل الإسلام، واستمرارها عند جميع الفرق الباطنية التي تسترت بالتشيع، ومنها انتشرت إلى كل الأوساط التي تأثرت بها وتشيعت لأفكارها.


16. الخمس والحقوق الشرعية
عقدة السيد التي تعاني منها النفسية الفارسية تجعل المصاب بها ينظر إلى نفسه نظرة مضخمة، ويشعر بحالة من تضخم الذات الذي يأخذ طابع المبالغة الخرافية لقدراتها وممتلكاتها ومكانتها، بشكل يجعل المحيط يبدو منحسراً أمام الذات، كنوع من رد الفعل التعويضي على مشاعر نقص ذاتية شديدة، بحيث يكون التضخيم الخارجي متوازٍ عموماً مع النقص الداخلي. وهي تسمى في علم النفس بـ(النُّفاج). والنفاجي كائن مهووس بالعظمة وارتفاع الشأن. أصيبت هذه الشخصية النفاجية بنكسة حادة شديدة الانحدار بمجيء الإسلام الذي حرم ملوكهم وقادتهم ودهاقنتهم من مظاهر عظمتهم، وشردهم في أصقاع الأرض. تمكن هؤلاء بمرور الزمن من التسلل داخل المنظومة الإسلامية بطرق شتى أهمها التخفي وراء عباءة الدين والظهور بمظهر (رجل الدين). فإذا علمنا أن العقلية الفارسية تمزج بين بيت الدين وبيت الملك إلى درجة التلازم الكامل أدركنا أن (رجل الدين) هذا ما هو – في قرارة نفسه - إلا حاكم متوج اتخذ تاجه شكل العمامة نتيجة للظروف التي استجدت، والتي ما عادت تسمح له بالظهور كما يريد. ومن هنا تجده قد أحاط نفسه بهالة من الألقاب الضخمة التي تعبر أصدق تعبير عما يجول في دخيلة نفسه من إحساس بحقيقة وضعه الذي ينبغي أن يكون عليه، ويرغب في أن يعامله الناس طبقاً إليه مثل: ولي أمر المسلمين ، الحاكم الشرعي ، زعيم الحوزة ، الإمام الأكبر ، المرجع الأعلى ، وهي ألقاب سياسية أكثر منها دينية. ناهيك عن الألقاب الفخمة الأخرى الفارغة مثل: آية الله العظمى ، رئيس
المجلس الأعلى ، وهلم خراً !
رجل الدين الشيعي إذن حاكم فارسي مقنع. ولا تكمل شخصية الحاكم إلا بممارسة جباية الأموال من الرعية للقيام بمقومات الحكم. على أن تؤدى هذه الأموال بطريقة يشعر فيها المالك أنه ملزم بأدائها، ويجلس بين يدي المرجع متذللاً متمسكناً يقبل يده امتناناً بقبولها منه. وذلك كما كانت الرعية تؤدي أموالها إلى الحاكم الفارسي من قبل.
وأخيراً أقول: إن المتأمل بدقة يظهر له بوضوح تام أن تشريع ما يسمى بـ(الخمس) و(الحقوق الشرعية) مكمل لعقيدة (الإمامة)، وأن كليهما يخرج من مخرج واحد هو (عقدة السيد) الفارسية المجوسية.


17. النياحة ومراسيم العزاء الحسيني
من الطقوس المشهورة في فلكلور التشيع الفارسي مواكب اللطم بالأيدي على الوجه والصدر، وبالزناجيل على أعلى الظهر ووسطه، وتطبير الرأس بالآلات حادة كالحربة وما شابهها. وتراهم يؤدون هذه الطقوس العنيفة جماعياً؛ ما يزيد في عنفها ووحشيتها حتى تصل ببعضهم إلى الموت أو الإغماء! يترافق ذلك مع النياحة والبكاء والعويل... إلى آخر مراسيم عاشوراء.
هذا وسواه في الفلكلور الشيعي، ناشئ عن أكثر من عقدة نفسية فارسية: أولها العدوانية، ثم عقدة الاضطهاد، وعقدة الذنب.
أما العدوانية، وعلاقتها بهذا الطقس الشيعي المتخلف ، فيمكن فهمها من خلال هذا التحليل العلمي للدكتور مصطفى حجازي:
(العدوانية تنخز وجود الإنسان المقهور عموماً. وتنخره أكثر فأكثر في العالم المتخلف. وهي عبء وتهديد للتوازن النفسي, ودافع للإقدام على العديد من تصرفات تدمير الذات. كما أنها, في الوقت نفسه, دفاع وانتفاضة ضد التهديدات التي تأتيه من الخارج...
عندما لا يتمكن الإنسان من تحمل مسؤولية عدوانيته المتراكمة، يحل المأزق الناتج عنها الذي يتهدد توازنه، بالمداورة تحت وطأة القمع المفروض عليه, والذي يخشى ردود فعله. يشيع العنف المقنع إذاً مع ازدياد حدة القمع المفروض من الخارج من ناحية, وازدياد إحساس الإنسان بالعجز عن التصدي له من ناحية ثانية.
والعنف المقنع قد يرتد على الذات متخذاً شكل السلوك الرضوخي والميول التدميرية
الذاتية, أو هو يتوجه إلى الخارج على شكل مقاومة سلبية1...
أما العدوانية المرتدة على الذات , فلأنها لا تجد طريقها إلى الخارج إلا بشكل باهت وهزيل لا يساعد على تصريفها والتحرر من وطأتها داخلياً؛ ولذلك فهي ترتد إلى الذات, وتعنف بها وتقسو عليها وتنزل بها مختلف أشكال العنت وتسومها سوء العذاب. إنها وضعية الرضوخ في سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يلوم نفسه, ويشتط في تبخيسها والحط من شأنها. إنه يحملها مسؤولية الفشل المصاحب لوضعية القهر, ويصل في ذلك حد التماهي بعدوان المتسلط الذي يغرس في ذهن الإنسان المقهور الدونية والتخلف والعجز والجهل. ويوهمه بأنه كائن منحط خلق هكذا وسيظل كذلك. ذلكم هو الكفر بالذات الذي يشيع في فترات الهزيمة والنكسات في المجتمع المتخلف: إننا لسنا جديرين بالحياة ولن يصدر عنا أي خير, لا نصلح لأي رفعة, ولا يحق لنا أن نحيط أنفسنا بأي اعتبار أو تقدير. وتصل الإدانة (النابعة من توجيه العدوانية إلى الذات المذنبة لتقصيرها وقصورها) حد النكاية بالنفس, وبالآخرين المشابهين لنا…
تتضمن هذه الإدانة للذات دفاعاً عنها بشكل خفي. فالإدانة الذاتية تظل أخف وطأة من إدانة الآخرين. وفي إدانة الذات والحط من شأنها نوع من التكفير عن الخطيئة الوجودية تجاه المصير, تتضمن ولا شك, بشكل كامن, الأمل في الغفران. فمن يدين ذاته يأمل في الحفاظ عليها من إدانة أشد وطأة. كما يأمل, في الوقت نفسه, في إثارة مشاعر صفح ضميره, وصفح الآخرين

على حد سواء. وإدانة الذات بهذا الشكل وسيلة كارثية للسيطرة على الميول التدميرية المتصاعدة, التي تصاحب العدوانية المتراكمة والموجهة نحو الذات. من خلال هذه الإدانة (الجزئية والمرحلية دوماً) يفرغ العدوانية المتراكمة من التهديد بالاندثار الذي تتضمنه. فمن يجسد خطيئته في عقاب محدد ومحسوس, يأمن شر العقاب الجذري الغامض الذي يثير في لا وعيه عقدة الهجر والفناء. إذ أن الإنسان يخشى سوء العاقبة ما دامت لم تحدث بعد. أما وقد حدثت فإنه يطمئن إلى أنه لن يتعرض لما هو أسوأ منها)1.
وعقدة الاضطهاد – المتغلغلة عميقاً في نفسية الفارسي، والتي انتقلت بالحث والعدوى إلى كل شيعي – جعلت الشيعة في شعور دائم بالظلم والغبن، وصبغت نفوسهم بالحزن والأسى، وعبأتها بالانفعالات المتأججة والمتحفزة للثورة في كل حين. وهل يمكن أن تتخيل شيعياً لا يلهج بأنه مظلوم، مضطهد، مستضعف، مغتصب الحقوق؟ هذا أحوجه إلى أن يفتش عما ينفس عن كربه وأحزانه، ويفجر الدموع مدرارة من عيونه وأجفانه، بما يسمى في مصطلح علم النفس بـ(التفريج أو التصريف Catharsis) ومعناه: (تفريغ الشحنة العاطفية ذات الطبيعة المؤلمة، من خلال وضعية يثار فيها الوجدان، وتنبعث الأحزان إلى درجة تزول معها الضوابط الواعية، في حالة من المشاركة بين الشخص الذي يعاني وآخرين يتعاطفون معه. يعقبه عادة ارتياح عام وعودة السكينة إلى النفس التي تنقاد للتعبير عن المعاناة أو المأساة بحرية تسمح بتصريف كل التوتر المتراكم. كالمشاركة الوجدانية في حالات الموت)؛فكانت النياحة على (الحسين المظلوم) خير وسيلة مشرعنة لتحقيق ذلك. إنه في الظاهر يبكي على الحسين، لكنه في الحقيقة إنما يبكي على نفسه الحزينة إلى حد العقدة، التي ورثت الحزن من عقدة الاضطهاد الفارسية، التي لبست آثارها ثوب الدين لتظهر بالشكل المعلوم.
وأما عقدة الذنب: فبعد أن انتقلت من الفرس إلى كل المجتمعات الشيعية جعلتهم يشعرون بالحاجة الماسة إلى عقوبة النفس وجلد الذات تكفيراً عن ذنوبها. فقد مر بنا أن المصاب بعقدة بالذنب يشعر بحاجة ملحة إلى التكفير - ولو بعقاب نفسه – التماساً للراحة، وتخففاً مما يكابده من توتر مجهول المصدر. وهكذا ترى أن من يعاني عقدة ذنب يندفع من تلقاء نفسه إلى عقاب نفسه، تدفعه حاجة لا شعورية ملحة إلى هذا النوع من العقاب. سواء كان هذا العقاب مادياً أو معنوياً، فإذا حل به العقاب زال عنه ما يغشاه من توتر أليم. فتظهر عقدة الذنب واضحة لدى الشيعي وهو يجلد نفسه ويلطم صدره ويشدخ رأسه إلى حد فقدان الوعي أو الموت تحت ذريعة خيالية هي حب الحسين! وكان أول طقس نياحي في تاريخ الإسلام يوم خرج الشيعة في مسيرة جماعية إلى قبر الحسين بعد مقتله بقليل وهم يبكون وينوحون على خذلانهم إياه يوم ورطوه

فاستقدموه ثم تركوه فلم ينصروه حتى قتل هو وأصحابه وأهله، يقودهم سياسي محنك متعطش إلى السلطة هو الدجال المختار بن أبي عبيد الثقفي، ثم خرج بهم - بعد أن ارتووا من البكاء والعويل – للقتال أخذاً بثأر الحسين. وقد تم له ما أراد فقتل والي الكوفة عبيد الله بن زياد، وتولى الحكم بعده. لكنه - وكالعادة – لم يدم ملكه طويلاً. وقد عرفت حركته هذه بحركة (التوابين). فالشيعة - حين يبكون على الحسين ويجلدون أنفسهم و(يطبرون) رؤوسهم - لا يدرون أنهم مسيرون بعقدة الذنب التي تدفعهم لمعاقبة أنفسهم على ما اقترفوه من آثام واجترحوه من خطايا، ومنها أنهم كانوا السبب في مقتل الحسين يوم دعوه لينصروه لكنهم خذلوه وقتلوه. نعم! الشيعة لا يعلمون بواعيتهم (= العقل الواعي) أنهم كانوا السبب في قتل (إمامهم)، لكنهم يدركون أو يستشعرون بخافيّتهم (= العقل الباطن) أنهم هم الذين قتلوه، فالحسين قتله أهل الكوفة شيعة علي، لا يجادل في ذلك أحد، وإن كانوا بقيادة رجل من غيرهم؛ فهذا لا يبرر لهم أن يرتكبوا فعلاً بمستوى قتل (إمامهم). وقد استغل دجاجلة الفرس ذلك من أجل تحريك جموع الشيعة نحو وهم هو الأخذ بثأر الحسين! فتراهم على مر التاريخ يخرجون ليثيروا الفتن والحروب ضد أهل السنة بهذه الحجة الواهية محملين إياهم تبعة القتل، بواسطة حيلة (الإسقاط) النفسية، التي حولوا بها التبعة عن نفوسهم وألصقوها بغيرهم. وهذا – من ناحية أخرى - يخدم أغراض الفرس، ويمهد لتحقيق أهدافهم. وهكذا تجد أن هذا الطقس يصدر عن عقد فارسية، ويخدم أهدافاً فارسية.
وقد شهد على مثله شاهد من أهلها هو الدكتور علي شريعتي في كلام طويل نقتطف منه ما يلي: (من القضايا الواضحة وجود نحو ارتباط بين الصفوية والمسيحية حيث تضامن الاثنان لمواجهة الامبراطورية الإسلامية العظمى التي كان لها حضور فاعل على الصعيد الدولي إبان الحكم العثماني وشكلت خطراً جدياً على أوربا. وقد وجد رجالات التشيع الصفوي أنه لا بد من توفير غطاء (شرعي) لهذا التضامن السياسي فعملوا على تقريب التشيع من المسيحية… ذهب وزير الشعائر الحسينية إلى أوربا الشرقية - وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة يكتنفها الغموض - وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتبعة في ذلك حتى أنماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات. واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران حيث استعان ببعض الملالي لإجراء بعض التعديلات عليها لكي تصبح صالحة لاستخدامها في المناسبات الشيعية وبما ينسجم مع الأعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في إيران، ما أدى بالتالي إلى ظهور موجة جديدة من الطقوس والمراسم المذهبية لم يعهد لها سابقة في الفلكلور الشعبي الإيراني ولا في الشعائر الدينية الإسلامية. ومن بين تلك المراسيم النعش الرمزي والضرب بالزنجيل والأقفال والتطبير واستخدام الآلات الموسيقية وأطوار جديدة في قراءة المجالس الحسينية جماعة وفرادى، وهي مظاهر مستوردة من المسيحية بحيث بوسع كل إنسان مطلع على تلك المراسيم أنْ يشخص أنّ هذه ليست سوى نسخة من تلك... إن الشيء الذي كانت تهدف إليه الصفوية من هذه الأعمال ليس سوى تأجيج المشاعر الصفوية غير المنضبطة عبر ممارسة تلك الطقوس التراجيدية وعلى النمط المسيحي لا على النمط الذي يرتئيه الدين الإسلامي الحنيف والذي يحرص على أن يكون كل عمل يزاوله الإنسان شيئاً هادفاً وله على الصعيد التربوي نتائج وثمار محددة)1.
ثم قال في موضع آخر : (إن التشيع الصفوي هو في الأساس فرقة طائفية مناوئة للمجتمع المسلم وتقوم فلسفة وجوده على أساس بث الفتنة وزرع الاختلاف بين أعضاء الجسد الإسلامي الواحد، والانفصال عن الجسد الأم الكبير، وما وجد التشيع الصفوي إلا من أجل تحقيق هذا الغرض، ويؤيد هذا التصور أن التشيع الصفوي ظهر وتحالف مع القوى الصليبية والبرجوازية العدوانية في أوربا لضرب القوة الإسلامية التي كانت تتصدى لهم ولو باسم الامبراطورية العثمانية البغيضة، وقد كانت الضربة التي وجهها التشيع الصفوي بمثلبة طعنة في الظهر، تجلت على شكل لقاءات مشتركة بين السلاطين الصفويين وسلاطين أوربا الشرقية تمخضت عن اتفاقات ومخططات للقضاء على العدو المشترك للمسيحية الغربية والتشيع الصفوي والمتمثل آنذاك بالدولة العثمانية.
ومن هنا نرى أن مراسيم (التشبيه) وهي نسخة طبق الأصل من طقوس دينية يؤديها المسيحيون على خشبة المسرح، بدأت تتضمن لقطة جديدة يدخل في غضونها شخصية ترتدي الملابس الإفرنجية من السترة والبنطال وتنضم إلى معسكر الإمام الحسين وتقاتل معهم بحماسة واستبسال منقطعي النظير) إلى أن قال عن التشيع هذا: (هو تشيع يتعاطى مع كل العقائد والعقائد النبيلة المشار إليها بشكل مختلف ويحولها إلى أحقاد دفينة وضغائن سياسية وقومية وعداء بين العرب والترك والإيرانيين. ويحيل الاختلاف بين التشيع والتسنن الذي يعكس في واقعه الاختلاف بين إسلام الشعب وإسلام الحكومة، بين إسلام الرب وإسلام الأرباب، بين إسلام النبي وإسلام الخليفة المزعوم! يحيله إلى حقد أعمى بين السنة والشيعة، بين المجتمع السني الموجود الآن وبين المجتمع الشيعي الذي يعايشه، وبالتالي عمل على توظيف كل العواطف والعقد الشيعية في سبيل تحقيق أهدافه ومراميه المتمثلة بإقامة الدولة الصفوية)2.
النيران والمشاعل:وقبل أن أنتهي من الموضوع أو تنبيه القارئ إلى النيران والمشاعل التي ترافق بكثافة هذه المراسيم والطقوس. وكل من شاهد مواكب النواح واللطم وضرب الزناجيل التي تظهر على الشاشة الإيرانية يرى بصورة لا يمكن أن تخطئها العين مشاهد النيران التي تؤجج في مواقد كبيرة هنا وهناك، والبرج الذي يرتفع في طرف ساحة المسيرة كيف تنبعث منه النار





والمشاعل التي يحملها الأشخاص المشاركون في المسيرة وكيف يحمل كل واحد منهم المشعل بيد ويلطم صدره باليد الأخرى! ومنهم من يحمل جوقة من المشاعل ويمشي بها بين القطيع! كذلك ليلة العاشر من محرم تحيى بإشعال النيران إلى الصباح. وليلة (المِحيا) - وهي ليلة الخامس عشر من شعبان من كل عام التي يعتقد الشيعة أنها ليلة مولد المهدي – أهم وأبرز طقس فيها إشعال النيران مع ترديد عبارة (مشعل يا دايم)! حتى تمثيلية (المقتل) تنتهي بإحراق الخيام بالنار والدوران حولها !!
وهذا كله يشير إلى العلاقة الواضحة بين الطقوس الشيعية الدينية والطقوس المجوسية الفارسية بصورة لا تقبل الشك، ولا تحتاج إلى التأكيد لدى كل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.


18. التمسك الشديد بالتقاليد والبدع
التشيع في صورته الحالية دين ابتدعه الفرس، ليضاهئوا به دين الإسلام، ويضربوه به، وينخروه من الداخل. فالبدعة أساسه وبناءه، وإطاره ومضمونه، وروحه وجسده. عقائده بدع وشعائره كذلك! فالعصمة والإمامة وتقديس المراجع، والتقية وتحريف القرآن وتكفير الصحابة، وعاشوراء والنياحة واللطم والتطبير ومواكب العزاء، والمراقد والقباب والزيارات والسدانة والنذور، والحج والصيام والأذان والأدعية والصلوات – على الطريقة الشيعية - والتربة، والأعياد والنيران والخمس والحقوق، والصور والأعلام والطبول… وقائمة لا تنتهي من هذه البدع والخزعبلات. ومع ذلك ترى الشيعة يتمسكون بها أشد التمسك.
يكشف لنا التحليل التالي السر وراء انتشار البدع عند الشيعة، وتحول الدين عندهم إلى مجموعة من الطقوس والتقاليد المتوارثة (فلكلور شعبي) ، يتمسك بها العوام تمسكاً لا فكاك لهم عنه:
(التمسك بالتقاليد يحمي الإنسان المقهور من مشاعر الخزي الذاتي, المرتبط بالمهانة
التي تتصف بها مكانته الاجتماعية. التمسك بالتقاليد يحمي الإنسان المقهور من مجابهة ذاته, تلك المجابهة التي تقلقه كثيراً, من خلال أوالية الهروب نحو الخارج, الذوبان التقليدي والشائع, والانضواء تحت قانون العرف.
وتصل الوظيفة الدفاعية للتمسك بالتقاليد أوج فعاليتها بما تتضمنه من استلاب عقائدي يتعرض له الإنسان المقهور. فالتمسك بالتقاليد واحترام الأعراف ومراعاة العادات, يعاش كمصدر للاعتبار الذاتي, نظراً لما يتضمنه من قبول اجتماعي. إن الإنسان المقهور الذي لا شرف له يتخذ من تمثل التقاليد والأعراف مصدراً للشرف والاعتبار, يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدراً للكبرياء والرضا عن الذات...
إن أكثر العناصر استلاباً وقهراً في المجتمع المتخلف هي أشدها عدوانية وعنفاً على من حاول التمرد على التقاليد، وتحدي المعايير وخرقها. فهناك في المجتمع المتخلف تعبئة نفسية ضد كل من يخرج على التقليد، إنها الفضيحة تلاحقه، وهو يستباح في سمعته ورزقه وحياته. ويأخذ العدوان عليه طابع التشفي والبطش والتشهير، يتحالف الكل للنيل منه. وفي كل ذلك تصريف واضح لما تراكم عند كل فرد من أفراد الجماعة، خصوصاً المقهورين منهم، من حقد وعدوانية نابعين من الإحباط والمهانة اللذين يتضمنهما الغبن المفروض عليهم. في هذا الحقد المتشفي الذي يصب على العنصر الخارج على العرف (خصوصاً إذا كان امرأة) إحساس بشيء من الاعتبار الذاتي من خلال توكيد الانتماء للجماعة والتمسك بمعاييرها. وفيه بالإضافة إلى ذلك نوع من الشعور بالكبرياء والتعالي، من خلال صب العار على الضحية التي لحقت بها فضيحة المساس بشرف التمسك بالمعايير والأعراف. وفيه أيضاً إسقاط لمشاعر الذنب الذاتية التي لا بد أن تصاحب الإحساس بالفشل والمهانة عند الإنسان المقهور، والتي تظل عادة مكبوتة، على العنصر المتمرد: هو المذنب وهو الذي يستحق العقاب. وعند هذه النقطة لا يعرف التشفي حدوداً، وهو متناسب عادة مع درجة القهر الذي يرزح تحتها الإنسان. والحقيقة أن هذا التشفي يتضمن في بعض أوجهه دفاعاً ضد الإغراء بالتمرد على غرار العنصر المارق، الذي تجرأ على خرق مقدسات الجماعة. فهذا التمرد الكامن موجود دائماً عند الإنسان المقهور. ولكنه يقمع في الحالات العادية خوفاً من الأخطار التي يتضمنها على شكل ردة فعل اجتماعية قمعية. وبمقدار ما يزداد الإغراء بالتمرد ويشتد الخوف من الإقدام عليه تستشري عند الإنسان المقهور ردود فعل التشفي في حالة من الهروب عن مجابهة الذات من خلال الذوبان في الجماعة، والتعصب لمعاييرها وتقاليدها)1.
تجد الأمثلة كثيرة في المجتمع الشيعي ، على هذا التحليل العلمي لأصحاب النفسية
الاضطهادية – ذكرنا بعضها آنفاً - والعداء السافر لكل من خرج عليها، ومحاربته في سمعته ومكانته، ومضايقته في رزقه ووظيفته. وأشد الناس تعصباً في ذلك هم أشدهم تخلفاً وشعوراً بالاضطهاد (إن أكثر العناصر استلاباً وقهراً في المجتمع المتخلف هي أشدها عدوانية وعنفاً على من حاول التمرد على التقاليد، وتحدي المعايير وخرقها) : فالذي قام باغتيال السيد محمد اسكندر الياسري رحمه الله تعالى نائب ضابط هارب من الخدمة العسكرية، مبتور الذراع. والسيد محمد اسكندر من خيرة العلماء العاملين، الذين خرجوا على تقاليد الطائفة البالية، وتحدى معاييرها الزائفة، وحاولوا إصلاحها من الداخل.


19. تجميد التاريخ
وقبل أن تقرأ التحليل التالي استحضر في مخيلتك كيف يستغرق الشيعي في أحداث معينة من الماضي، ويجمد حيالها حتى كأن عجلة



التاريخ قد توقفت حركتها عند أعتابها، وتوقف الزمن فلا حاضر إلا ذلك الماضي بأحداثه تلك: (باب خيبر، الخندق وأسطورة ابن ود العامري، غدير خم، خرافة كسر ضلع الزهراء، معركة الجمل، صفين، الطف)، وما يرافق ذلك وغيره من الأحداث من الطعن في تاريخ الأمة وتشويهه ليتطابق مع الرغبة المنحرفة للنفسية الفارسية في ما تتمنى هذه النفسية أن يكون عليه تاريخنا، لا ما هو عليه في الواقع. والعكس يفعله فيما يرغب أن يكون عليه مثله الأعلى، وهو الإمام، لا ما هو عليه في الحقيقة.يجتر الشيعي من خلال تلك الحوادث - التي رسم صورتها كما تشتهي نفسيته المريضة، وجمدها على تلك الصورة - شعوره بالغبن والاضطهاد، ويسترجع لحظات من النشوة حين ترتسم في ذهنه صورة إمامه الأسطورية في الفروسية وقتال الأعداء، أو الصبر على تحمل المعاناة، أو المثالية في التعبير عن قيم الرجولة والشهامة والمروءة ، أو القدرة الفائقة
على حل المشاكل وتحقيق الخلاص السحري من المآزق (المهدي المنتظر):
يقول د. مصطفى حجازي: (يتنكر الإنسان المقهور لهذا الحاضر الذي يشكل مرآة تعكس له مأساته,أو هو يجتر هذا البؤس. ولكن الغالب هو التذبذب ما بين التنكر والاجترار. وهو يدافع عن نفسه إزاء كل ذلك بالهروب في الماضي المجيد ذاتياً وقومياً. فالماضي حصن من لا حاضر له, ولا مستقبل له... ويحدث نوع مما يسمى بالتماهي الإسقاطي ( تمثل صورة البطل ليس كما هو حقيقة , بل كما نرغبه أن يكون
كاملاً فائقاً ذا جبروت ) في علاقة الإنسان المقهور بأبطال القصص الشعبي.
البطل في القصص الشعبي أسطوري. فهو من الناحية الجسدية القوة المطلقة، التي تأتي بالخوارق وتجابه كل التحديات. وهو في السلاح قمة الخبرة والفروسية. يصور على درجة كبيرة من الضخامة, فرسه نادرة وسلاحه لا يتكمن سواه من حمله والقتال به. وشجاعته تصمد أمام كل امتحان, وهو يخرج دائماً منتصراً من أقسى امتحان. ويتحلى بطل القصص الشعبي بكل الفضائل النفسية والخلقي, ويتمتع بكل قيم الرجولة والشهامة والكرم. وهو إلى ذلك البطل القوي العادل الذي يتصدى لكل معتد, وكل ظالم, وكل عدو داخلي أو أجنبي, مدافعاً عن جماعته وأهله المعرضين من دونه لأشد الأخطار الحياتية. إنه البطل المنقذ, مبعوث العناية الإلهية كي يرفع التهديد عن الإنسان
الضعيف, إنه رمز العدل والأمن الوجودي .
استعراض حياة هذا البطل الأسطوري, كما يرويها رواة القصص الشعبي, هي دائماً سلسلة من الأزمات وحلقات متصلة من الخطوب. لا يخرج من أزمة حتى يقع في التي تليها, ولا ينتصر على خطب حتى يقع في مأساة جديدة. حياته ملحمة دائمة من الثبات أمام أقسى اختبارات الحياة, والخروج منتصراً منها. وهي إلى ذلك حلقة متصلة من التفاني من أجل الآخرين.
بطل القصص الشعبي بكل أسطوريته, هو مجرد إسقاط لأمل الإنسان المقهور في الخلاص, لرغبته الدفينة في امتلاك القدرة على مجابهة قدره. حياته مجرد مرآة للاختبارات المتلاحقة التي يتعرض لها الإنسان المقهور ويعجز عن اجتيازها, بينما ينجح البطل في ذلك. من هنا ندرك سبب إقبال الجماهير على حلقات رواية هذه القصص, وندرك سبب الاندماج في الاستماع إلى الراوي. إنها لحظة عزاء وسلوى عن آلام الواقع الراهن , إنها لحظة عز وكبرياء وأمل وشعور بالاعتبار الذاتي من خلال التماهي ببطولات الفارس صانع الخوارق. ويزداد انتشار حلقات القصص الشعبي بمقدار الغبن المفروض على الإنسان, ومقدار خلو الحاضر من الأمجاد. قصص البطولات الشعبية من الأمجاد. قصص البطولات الشعبية من الناحية النفسية, عرض لمأساة الجماهير, من ناحية, وأملها في الخلاص, في تغيير المصير من ضعف إلى قوة , ومن مهانة إلى عز، من ناحية ثانية)1.
والعبارات الأخيرة تفسر غرام الشيعي بسماع قراءة (المقتل)، وحرصه على القيام بطقوس العزاء والنياحة.


20. الشعوبية والتآمر على الوطن
كل الشعوب الأعجمية التي اعتنقت الإسلام تحب العرب وتجلهم وتكن لهم الاحترام والتقدير على ما جلبوه لهم من خير تمثل في الدين الذي حملوه إليهم وتكبدوا المشاق والدماء في سبيل إيصاله إلى تلك الشعوب. إلا الفرس..! فإنهم يبغضون العرب ويزدرونهم حتى إنهم إذا أرادوا الإشارة إلى أحد باحتقار نبزوه بقولهم: (عرب) بترقيق الراء على طريقتهم بالنطق!
عقدة اللؤم:وبغض الفرس للعرب ناشئ من (عقدة اللؤم) أو نكران الجميل. فالسبب الذي حمل بقية الشعوب على حب العرب هو نفسه الذي حمل الفرس على بغضهم. وهي عقدة متفرعة عن عقدة قديمة يشعرون بها تجاه العرب هي (عقدة النقص). فقد مر بنا قول البروفسور عماد عبد السلام : إن التحدي الحقيقي الذي كان يواجه الفرس على مدى التاريخ هو ذلك التحدي القادم من غرب إيران أي من الوطن العربي. بيد أنه - على قوته - لم يكن عسكريا بقدر ما كان حضارياً. ولما لم يكن هذا الغرب يمثل إلا مصدر إشعاع للحضارة، لا خطرا ماديا حقيقيا فإن العقلية الفارسية تعودت أن تنظر إلى هذه الحضارة بعين واحدة. إنها تتأثر بها لأنها مضطرة إلى ذلك لنقص في مستواها الحضاري، وتعاديها في الوقت نفسه لأنها تمثل خطراً يهدد سيطرتها على القوميات العديدة التي تحيط بها، فلقد اعتنق الفرس الإسلام كسائر شعوب المشرق لكنهم حاربوه من داخله، وتعلموا الآداب العربية لكنهم حاربوها بما تعلموه منها، وكتبوا بالحرف العربية لكنهم شنوا حرباً على اللغة العربية


نفسها. وكان إحساس الفرس بتخلفهم تجاه الفعل الحضاري الآتي من الغرب يتخذ وضعا حادا انعكس على شكل رد فعل غير حضاري نحوه استهدف تدمير الحضارة فيه، أو مكافأة
تأثيره على الأقل، ولكن بالفعل العسكري وحده.
لقد تحول مركب النقص الحضاري هذا على مر العصور إلى عقيدة راسخة معادية لكل الحضارات العربية أو التي وجدت في الأرض العربية. بل انه تحول في اللاوعي الفارسي إلى نزعة عدوانية مدمرة لكل فكرة بل قيمة تأتي من هذا الاتجاه. وظف الحكام الفرس هذه العقدة النفسية في صالح هيمنتهم على القوميات المحيطة بهم بأن أشعروها على الدوام بأن تصديهم لهذه المؤثرات رهين باستمرار الهيمنة المركزية عليها. وهذا ما توحي به إيران إلى الشيعة في العراق وغيره من الدول المجاورة. وتطرح نفسها على أنها المنقذ للشيعة، والمدافع عن حقوقهم، لا منقذ لهم ولا مدافع عنهم غيرها، وأن الآخرين المحيطين بهم يريدون أن يبتلعوهم، ويُلغوهم من الوجود؛ فلا منجا لهم إلا إيران، ولا ملجأ إلا إليها.
وهي السياسة القديمة نفسها التي مارسها الفرس مع مواطنيهم من القويات الأخرى في عزلهم عن أقوامهم الأصلية ، عن طريق تخويفهم منهم ، وإظهارهم بمظهر الخطر العظيم على وجودهم بغية ضمان اصطفافهم إلى جانبهم وضمهم تحت جناح سيطرتهم وحكمهم. وهذا ما يتخيله جمهور الشيعة في العراق، وهو السر الذي لأجله يصرحون بعدم رغبتهم في تدخل العرب في شؤونهم، وترك العراق للعراقيين، واتهام العرب بأنهم لم يقفوا في محنتهم إلى جانبهم. إن عامة الشيعة اليوم يجدون في إيران الرئة التي يتنفسون بها؛ فهم يشعرون بالاختناق حين يولون وجوههم شطر العرب، ولا يستشعرون الراحة والطمأنينة إلى في كنف إيران، العدو الأول للعراق وللعرب عموماً.
وهو السبب الذي يدفعهم إلى الوقوع في شرك المخططات الشعوبية، ومنها الانخلاع من الوطنية الصادقة، والرضا بالمحتل واستقدامه ومعاونته للدخول إلى وطنهم والتشبث به خشية أن يقعوا تحت حكم الآخر الذي يصوره دهاقنتهم وحشاً مرعباً يريد أن ينقض عليهم ويقتلعهم من الوجود. قبل أيام من موعد الانتخابات الأخيرة (15/12/2005) اجتمع القادة الدينيون للمحافظات التسع الشيعية في النجف، وخطب فيهم الشعوبي المخذول الإيراني عبد العزيز الحكيم داعياً إياهم للتصويت لقائمتهم سيئة الصيت وإلا فإن (الأمويين) - حسب تعبيره - والتكفيريين قادمون، إشارة واضحة منه إلى العرب السنة. وهدد بانفصال ما أسموه بـ(إقليم الجنوب) إذا زورت نتائج الانتخابات ولم تأت طبقاً لما يريدون.






وطن الشيعي طائفته:وبهذه الطريقة التلويحية تمكن الفرس – كعبد العزيز هذا وأسياده – من سلخ المتشيع بتشيعهم من الانتماء إلى وطنه، أو الشعور بعلاقة المواطنة مع الآخر. وتعويضه بالانتماء إلى المرجع والطائفة فحسب. فوطن الشيعي طائفته أينما كانت، ليس له وطن غيرها؛ وأمه وأبوه (مرجعه) ولو كان شيطاناً مريداً ! ولذلك تجده يتعصب لإيران، وينتمي إليها، ويخدم أهدافها، متخذاً منها ملاذاً يطمئن إليه. وتمثل (الحوزة) الرمز الأقرب للانتماء، وما (الحوزة) إلا وكر أو مؤسسة من مؤسسات إيران الاستخبارية. ومن هنا صار الشيعي – وإن كان عربي الأصل – شعوبياً يتعلق بإيران، وينفر من العرب، سريع المبادرة إلى معاونة كل من يتآمر على وطنه طمعاً بالخلاص من الوهم. يعزز ذلك شعوره بالاضطهاد والخوف من الآخرين، حكاماً ومحكومين. إنهم يهددون كيانه، ويمحون وجوده. هكذا يشعر.
النظرة إلى الحاكم:يتكلم د. حجازي عن نظرة الإنسان الاضطهادي إلى المتسلط أو الحاكم، ليربط بينها وبين ضعف الشعور الوطني، وكيف يتحول إلى إنسان غوغائي مخرب مدمر متى ما ضعف أثر السلطة (صفحة الغدر والخيانة سنة 1991 مثلاً) فيقول: (أما صورة المتسلط فهي بدورها عامل تفجير للعدوانية. إنها لا تمثل الأب الحاني العطوف، بل تثير صورة الأب المهدد القاسي. تعاش كسلطة مهددة لا يتمكن المرء من التماهي الإيجابي بها، الذي يتم عادة مع صورة الأب الطيبة، والذي يفتح السبيل أمام نشأة العلاقات الإنسانية الإيجابية... وطالما استحال التماهي مع صورة إيجابية متعاطفة وحامية للحاكم, فإن ذلك يزعزع روابط الانتماء إلى الجماعة والإخاء في المواطنية. فقدان روابط الانتماء الاجتماعي يقود مباشرة إلى فقدان الالتزام تجاه الآخرين, وفقدان الاحترام لما هو عام ومشترك, مما يفتح السبيل أمام بروز الأنوية المفرطة. تنهار قيمة الآخر, في هذه الحالة, لأن العلاقة معه لا تؤمن للمرء قيمته الذاتية, لا تمده بالاعتراف بذاته من خلال اعتراف الآخرين به. وهكذا تسود الأنانية على حساب المصلحة العامة. تبرز هذه الأنانية التي لا تعرف حدوداً ولا ترعى للآخرين حرمة حين تضعف السلطة القامعة أو تغيب عن المسرح لأمر ما. عندما يتحول المجتمع إلى غابة ذئاب. انعدام الشعور بالانتماء، مع ما يستتبعه من انعدام للشعور بالعدالة والعدل في نيل الحظوظ ، يولد عند الإنسان قلق الوحدة, وقلق التهديد يأتيه من الآخرين, مما يفجر عدوانيته دون حدود. تتخذ العدوانية هنا تحديداً طابع تغليب المصلحة الذاتية بشكل مطلق، وقد تتخذ طابـع السلب واستباحة الآخرين في حالات خاصة)1.
عقيدة الإمامة:إن (عقدة الاضطهاد) تجعل الشيعي يعيش شعوراً متصلاً بالغبن والمظلومية، و(عقدة النقص) تجعله يتطلع إلى مخلص خارجي. وعقيدة (الإمامة) الناشئة من (عقدة النقص) و(عقدة السيد) والتي يكفر على أساسها الآخر تبرر له هذا التطلع، واستعداء الكافر الأجنبي عليه أملاً بالتخلص منه؛ فكلا الفريقين في اعتقاده كفار. وعلى فرض أن الآخر مسلم – وهو ليس أكثر من مسلم في الظاهر كافر في الباطن كما عليه إجماع علمائهم - فإن الكافر العادل خير من المسلم الجائر كما يشيع دعاة التشيع الفارسي في الزمن القديم والحديث.


ليسوا سواء
هذه هي أهم العقائد والشعائر والممارسات العملية في التشيع، المنقلبة عن العقد النفسية الفارسية. على أننا لا نجنح إلى تعميمها على كل الشيعة. ففي كل الأحوال تبقى أقلية تخالف التيار، تبتغي الحق، وتعبر عن الخصائص الأصيلة للنفسية العربية السليمة. وهي وإن كانت في غالبها مستغفلة، وفي النهاية غير قادرة على إحداث التأثير المطلوب في سير التيار العام، لكن الواجب الشرعي يحتم علينا أن ننوه بها، ونبحث عنها. كما نسعى كذلك لتشجيعها، والأخذ بيدها إلى شاطئ السلامة وبر الأمان؛ أملاً بالوصول إلى جعلها فاعلة في وسطها بالاتجاه المؤثر الصحيح. والله تعالى يقول: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران:113)

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 18, 2018 7:01 pm